*الجمهورية الإسلامية… صمود يُربك الخصوم ويفضح أوهام السقوط*
إن الحديث المتكرر عن "قرب الانهيار" لم يكن في حقيقته قراءة سياسية بقدر ما كان صناعة نفسية متكاملة، تؤدي وظائف محددة، أبرزها إضعاف الثقة الداخلية، وخلق حالة انتظار دائم لانهيارٍ لم يقع
🖋️*السيد مهدي الفيّاض*
منذ أكثر من أربعة عقود، والخطاب المعادي للجمهورية الإسلامية لا يتوقف عن تكرار نغمةٍ واحدة تكاد تتحول إلى لازمةٍ ثابتة: "سقوط الجمهورية الإسلامية بات وشيكاً".
تتغيّر الوجوه، وتتبدّل المنصات، وتختلف السياقات، لكن هذه العبارة تبقى حاضرة كما هي، تُعاد صياغتها مع كل أزمة، وتُضخّ مع كل ضغط، وتُقدَّم للجمهور بوصفها حقيقة قادمة لا محالة.
غير أن الإشكالية لم تعد في تكرار هذا الخطاب، بل في انكشافه المستمر أمام واقعٍ يرفض أن ينصاع له. فالدولة التي قيل إنها لن تصمد أشهر، تجاوزت العقود، والنظام الذي أُعلن موته مراراً، ما زال حاضراً وفاعلاً ومؤثراً، بل ومربكاً لمحيطه وخصومه.
إن الحديث المتكرر عن "قرب الانهيار" لم يكن في حقيقته قراءة سياسية بقدر ما كان صناعة نفسية متكاملة، تؤدي وظائف محددة، أبرزها إضعاف الثقة الداخلية، وخلق حالة انتظار دائم لانهيارٍ لم يقع، وتبرير العجز عن تحقيق الحسم في المواجهة المباشرة. وهذا الخطاب لا يستمد حياته من الوقائع، بل من التمنيات، ولذلك فهو لا يموت بفشل توقعاته، بل يُعاد إنتاجه بموعدٍ جديد. ومن هنا تتجلى مفارقة لافتة تكاد تكون قانوناً في هذا السياق: الجهة التي تعجز عن إسقاط خصمها في الواقع، تلجأ إلى إعلان سقوطه في الإعلام، وكأن التكرار يمكن أن يعوّض غياب النتيجة.
ولو تُرك هذا الخطاب جانباً، ونُظر إلى الوقائع المجردة، لتبيّن حجم الهوّة بين الادعاء والحقيقة. حربٌ استمرت ثماني سنوات، جُمعت فيها إمكانات إقليمية ودولية لإسقاط هذا الكيان، ولم تسقطه. عقوبات تُعد من الأشد في العصر الحديث، استهدفت مفاصل الاقتصاد والطاقة والمصارف، ولم تُنهِ الدولة. حصار علمي وتكنولوجي، لم يمنعها من تطوير قدراتها وبناء منظوماتها. استهداف أمني واغتيالات لقيادات بارزة، لم يُفكك بنيتها ولا قرارها. فأيُّ منطقٍ يمكن أن يرى كل هذه الوقائع، ثم يصرّ على الحديث عن "هشاشة" أو "سقوط وشيك"؟ وأيُّ قراءة هذه التي لا تتأثر بتراكم الأدلة، ولا تتغير رغم تكرار الفشل؟
إنّ صمود الجمهورية الإسلامية وبقاءها نتيجةٌ يمكن فهمها ضمن بُعدين:
البعد الأول: ضمن منظومة السُّنن التأريخيّة في القرآن الكريم؛ فالقرآن الكريم لا يقدّم النصر والثبات بوصفهما حدثين عشوائيين، بل كقانون مرتبط بشروطه: *﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾(١)*، كما لا يقدّم الابتلاء بوصفه علامة خلل، بل جزءاً من مسار السير والكدح في طريق الإنسان، *﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ وَالجُوعِ﴾(٢).* وبهذا المعنى، فإن ما يُقدَّم إعلامياً كدليل ضعف وقرب إنهيار، قد يكون في منطق السنن جزءاً من عملية التثبيت وإعادة البناء، لا مقدمةً للسقوط.
وعلى هذا الأساس، فإن كل ما يُسمّى بـ"الضعف المرحلي" لا يمكن عزله عن منظومة السنن العامة؛ فالقرآن الكريم يقرّر بوضوح: *﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾(٣)*، أي أن التقدم والتراجع جزء من سنن الاجتماع البشري، وليس مؤشراً حتمياً على السقوط.
البعد الثاني: ضمن منظومة التراث الروائي لأهل البيت (عليهم السلام)، والأمر هنا يأخذ وضوحاً أكبر وبيانّاً أصرح؛ فقد ورد عن أهل البيت (عليهم السلام) في توصيف الإيرانيين ـ المشرقيّين ـ أنّهم يواجهون العواصف ولا ينكسرون، كما جاء في الرواية المروية عن الإمام الكاظم (عليه السلام) *"قَوْمٌ كَزُبَرِ الْحَدِیدِ لَا تُزِلُّهُمُ الرِّیَاحُ الْعَوَاصِفُ وَ لَا یَمَلُّونَ مِنَ الْحَرَبِ وَ لَا یَجْبُنُونَ وَ عَلَی اللَّهِ یَتَوَكَّلُونَ وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِینَ"(٤).* وهذه العواصف التي يتحدث عنها النّص ليست فرضية، بل واقع تعاقب مراراً، ومع ذلك لم يؤدِّ إلى الانهيار.
كما أن البلاءات والمحن التي يتعرضون لها من العدو سيدفعها الله سبحانه وتعالى عنهم كما تُنبئنا بذلك الروايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) *"مَا أَرَادَهُمْ جَبَّارٌ مِنَ الْجَبَابِرَةِ إِلَّا قَصَمَهُ اللَّهُ"(٥).*
بل إن الروايات التي تتحدث عن المشرقيين والخراسانيين، لا تصف حالة عابرة، بل تشير إلى مسار يمتد ويستمر حتى لحظة مفصلية، حيث يكون لهم دورٌ محوريٌ عظيم *"وَ سَیَأْتِی زَمَانٌ تَكُونُ بَلْدَةُ قُمَّ وَ أَهْلُهَا حُجَّةً عَلَی الْخَلَائِقِ وَ ذَلِكَ فِی زَمَانِ +غَیْبَةِ قَائِمِنَا علیه السلام إِلَی ظُهُورِهِ وَ لَوْ لَا ذَلِكَ لَسَاخَتِ الْأَرْضُ بِأَهْلِهَا"(٦).*
والنتيجة، أن الدور الذي سيضطلع به الإيرانيون هو التمهيد والتسليم، كما في التعبير الوارد: *"یُوطِئُونَ لِلْمَهْدِيِّ سُلْطَانَهُ"(٧).*
وهذا الامتداد يمنح فكرة الصمود بعداً مختلفاً، إذ لا يعود مجرد بقاء في وجه الضغوط، بل حركة ضمن سياق تاريخي أطول، تُفهم فيه الأزمات بوصفها مراحل لا نهايات، حتى *"یَجْتَمِعُونَ مَعَ قَائِمِ آلِ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَیْهِ وَ یَقُومُونَ مَعَهُ وَ یَسْتَقِیمُونَ عَلَیْهِ وَ یَنْصُرُونَهُ."(٨)*
*فالإيرانيون باقون والجمهورية الإسلامية باقية.*
غير أن الخطاب المعادي يجهل هذه الحقائق التي أنبأ عنها الأئمة الطاهرون (صلوات الله عليهم) ويتعامل مع كل اهتزاز على أنه نهاية، ومع كل أزمة على أنها لحظة الانهيار المنتظرة، فيُعيد إنتاج الوهم نفسه، وكأن شيئاً لم يتغير.
ومع تراكم الزمن، لم تعد المشكلة في صمود الجمهورية الإسلامية، بل في عجز خصومها عن تفسير هذا الصمود. فكلما انتظروا سقوطها ولم يحدث، تآكلت مصداقية خطابهم، وتحوّل إلى عبءٍ عليهم قبل أن يكون أداةً ضد غيرهم.
لقد أصبح واضحاً أن الأزمة الحقيقية ليست في هذا الكيان الذي واجه حرباً شاملة، وتحمّل حصاراً مركباً، واستوعب ضرباتٍ قاسية، ثم بقي فاعلاً ومؤثراً، بل في العقول التي ما زالت تحاول قراءته بالأدوات نفسها التي أثبتت فشلها مراراً.
وفي النهاية، فإن كياناً يمتلك هذا العمق في الهوية، وهذا الامتداد في المعنى، وهذه القدرة على التكيّف تحت الضغط، لا يمكن اختزاله بجملة إعلامية، ولا إسقاطه برغبة نفسية، ولا تفسير بقائه بالصدفة. لأنه ببساطة لم يُبنَ على أساسٍ سطحي يسهل هدمه، بل على بنية عميقة تتداخل فيها العقيدة مع التجربة، والتاريخ مع الحاضر، والواقع مع المستقبل الموعود، وهذه البنية، بطبيعتها، لا تسقط بتكرار الادعاء، ولا تنهار بتراكم الضغوط وحدها.
*فالإيرانيون باقون والجمهورية الإسلامية باقية.*
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة محمد (ص)، الآية:٧. (١)
سورة البقرة، الآية: ١٥٥. (٢)
سورة آل عمران، الآية: ١٤٠. (٣)
بحار الأنوار، ج ٥٧، ص: ٢١٦. (٤)
بحار الأنوار، ج ٥٧، ص: ٢١١. (٥)
بحار الأنوار، ج ٥٧، ص: ٢١٣. (٦)
بحار الأنوار، ج ٥١، ص: ٨٧. (٧)
بحار الأنوار، ج ٥٧، ص: ٢١٦. (٨)