عقدة جنيف بين واشنطن وطهران: صراع السقوف بين الإنهاء الكامل والتجميد المرحلي
الطرح الإيراني الأخير تضمن السماح بعودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى العمل في طهران، باعتبار ذلك خطوة لإظهار حسن النية واستعادة الثقة.
كتب / رسول حمزاتوف
تتمحور العقدة الراهنة في المفاوضات الأميركية–الإيرانية، التي انعقدت فعلياً في محطتها الثانية في جنيف بعد جولة أولى في مسقط، حول فجوة استراتيجية عميقة تتجاوز التفاصيل التقنية إلى صلب تعريف كل طرف لمفهوم “الحل”. فالولايات المتحدة، بقيادة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تدخل هذه الجولة بسقف تفاوضي مرتفع ومحدد يتمثل في إنهاء الطموح الإيراني لامتلاك قدرة تصنيع نووي عسكري بصورة حاسمة ونهائية، في حين تعتمد طهران مقاربة تقوم على إدارة الأزمة وتفكيك عناصر الضغط تدريجياً مع الإبقاء على نواة مشروعها النووي حية وقابلة للاستئناف.
الطرح الإيراني الأخير تضمن السماح بعودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى العمل في طهران، باعتبار ذلك خطوة لإظهار حسن النية واستعادة الثقة. غير أن هذه المسألة ليست جديدة، إذ كانت ولا تزال نقطة خلاف مركزية منذ أزمة الصيف الماضي، عندما تصاعد التوتر عقب اتهامات إيرانية لبعض المفتشين بعدم الحياد، وما أعقب ذلك من قيود على أنشطة التفتيش. وقد بلغت الأزمة حينها حداً دفع واشنطن إلى وضع خيار تنفيذ عملية عسكرية مباشرة ضد منشآت نووية إيرانية ضمن دائرة البحث الجدي. ومنذ ذلك الوقت، تجدد الخلاف الأميركي–الإيراني حول مسألة التفتيش، وفشلت المساعي الأوروبية المنفردة في تحقيق اختراق، قبل أن تعود الأزمة إلى الواجهة مع إعادة تفعيل العقوبات الأممية في الخريف الماضي خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.
إلى جانب مسألة التفتيش، عرضت طهران مقترحاً بتعليق أو تجميد التخصيب لمدة ثلاث سنوات كخيار أول، أو خمس سنوات كخيار ثان. القراءة الإيرانية لهذا العرض تنطلق من حسابات سياسية دقيقة؛ فمدة الثلاث سنوات تتقاطع تقريباً مع ما تبقى من الولاية الرئاسية الحالية لدونالد ترامب، بينما يمنح خيار الخمس سنوات انطباعاً بأن إيران لا تراهن على تبدل الإدارة في واشنطن، بل تقبل بإطار زمني يمتد إلى ما بعد انتهاء ولايته، بما يبدد الشكوك الأميركية حول لجوئها إلى استراتيجية كسب الوقت. غير أن واشنطن تنظر إلى هذا الطرح بوصفه أقل بكثير من سقفها المعلن، بل وترى أنه دون ما نص عليه اتفاق 2015 الذي أُبرم في عهد الرئيس الأميركي باراك أوباما، والذي انسحب منه ترامب في ولايته الأولى معتبراً أنه لا يحقق المصالح الأميركية ولا يضع قيوداً دائمة على المسار النووي الإيراني.
الإدارة الأميركية تؤكد أن هدفها لا يقتصر على تجميد مرحلي، بل على إغلاق هذا الملف الذي امتد قرابة ربع قرن عبر إدارات ديمقراطية وجمهورية متعاقبة. خطاب البيت الأبيض يشير بوضوح إلى أن إنهاء الأزمة يمكن أن يتم عبر اتفاق شامل يضمن إزالة القدرة على إنتاج سلاح نووي، أو عبر خيارات أخرى لا تزال مطروحة على الطاولة، من بينها الخيار العسكري الذي لم يُتخذ بشأنه قرار نهائي حتى الآن. ومن هذا المنظور، ترى واشنطن أن ما تعتبره طهران أفكاراً جديدة لا يرقى إلى مستوى اتفاق يمكن الدفاع عنه داخلياً أو تقديمه بوصفه إنجازاً استراتيجياً.
في المقابل، تعتمد إيران تكتيك إطالة أمد التفاوض، وقد أعلن مسؤولون إيرانيون استعداد وفدهم للبقاء في جنيف لأسابيع أو حتى لأشهر إذا اقتضت الضرورة. هذا الاستعداد يعكس رهاناً على عامل الزمن، ليس فقط لكسب مزيد من المرونة التفاوضية، بل أيضاً لتحسين الصورة الدولية لإيران باعتبارها طرفاً يسعى إلى حل دبلوماسي ويتجنب المواجهة العسكرية. ومن خلال هذه المقاربة، تسعى طهران إلى تحقيق مكسبين متوازيين: تخفيف أو رفع العقوبات المفروضة عليها، والحفاظ في الوقت ذاته على جوهر مشروعها النووي. فهي تبدي استعداداً لمناقشة مستويات التخصيب وخفضها، لكنها ترفض مبدأ الإنهاء الكامل للبرنامج، معتبرة أن ذلك يمس سيادتها وحقها في الاستخدام السلمي للطاقة النووية.
العقدة المركزية إذن تكمن في التناقض بين هدف أميركي صريح بإنهاء الطموح النووي الإيراني بصورة لا رجعة فيها، واستراتيجية إيرانية تقوم على تجميد مرحلي مع الحفاظ على البنية الأساسية للمشروع. كما أن هناك استعجالاً أميركياً واضحاً للتوصل إلى اتفاق ضمن أطر زمنية محددة، يقابله رهان إيراني على تمديد المفاوضات إلى أقصى مدى ممكن. وعلى الرغم من أن التصريحات الرسمية من الجانبين تتسم بإيجابية حذرة، فإن المسار يبدو طويلاً ومعقداً، ويبقى السؤال المطروح في واشنطن هو ما إذا كان الرئيس دونالد ترامب يمتلك هامش الصبر الكافي لانتظار نتائج مفاوضات ممتدة، أم أن ضيق الإطار الزمني والسياسي سيدفع إدارته إلى خيارات أكثر حسماً تعيد رسم معادلات الردع في الإقليم.