العجز المالي يدخل مرحلة الخطر وتحذيرات من تمويل الرواتب بالاقتراض.. إليك جذور الأزمة وأسبابها
انفوبلس/ تقارير
تكشف الأرقام المالية الرسمية حتى تشرين الأول 2025 عن مشهد اقتصادي شديد الحساسية في العراق، حيث بلغ العجز المالي أكثر من 24 تريليون دينار، فيما تبتلع الرواتب والنفقات الجارية ما يقارب ثلاثة أرباع الإنفاق العام. وبين اعتماد شبه كلي على النفط، وتراجع الإيرادات غير النفطية، وتحذيرات برلمانية وخبراء اقتصاد، تتصاعد المخاوف من قدرة الدولة على الاستمرار في تمويل الرواتب دون حلول جذرية.
عجز متصاعد وإيرادات مقيدة بالنفط
في وقت سابق من اليوم السبت، أعلن مرصد “إيكو عراق” أن العجز المالي للدولة العراقية لغاية شهر تشرين الأول 2025 بلغ 24 تريليوناً و680 مليار دينار، في مؤشر يعكس اتساع الفجوة بين الإيرادات والنفقات.
وأوضح المرصد في بيان له ورد لشبكة انفوبلس، أن هذا العجز في تصاعد شهري، مدفوعاً بانخفاض أسعار النفط من جهة، وكثرة الإنفاق العام من جهة أخرى، في وقت لا تزال فيه المالية العامة شديدة الارتباط بالعائدات النفطية.
ووفقاً للبيانات، بلغت الإيرادات المالية للدولة خلال الفترة نفسها نحو 103 تريليونات دينار، إلا أن الإيرادات غير النفطية لم تتجاوز 10 تريليونات دينار فقط، ما يؤكد محدودية مساهمة القطاعات الأخرى في تمويل الموازنة.
هذا الخلل البنيوي يجعل الدولة عرضة لتقلبات السوق النفطية، ويضع الاستقرار المالي تحت ضغط دائم مع أي انخفاض في الأسعار أو الصادرات.
ويُظهر تفصيل الإيرادات أن مجموع ما دخل خزينة الدولة لغاية تشرين الأول 2025 بلغ أكثر من 103.5 تريليونات دينار، منها نحو 93.1 تريليون دينار من النفط الخام والمشتقات النفطية وجولات التراخيص، مقابل 10.3 تريليونات دينار فقط من الضرائب والتعرفة الكمركية والرسوم، وهي أرقام تعكس ضعف السياسات التحصيلية وتواضع النشاط الاقتصادي غير النفطي.
الرواتب والنفقات الجارية.. ثقل على الموازنة
في مقابل هذه الإيرادات المحدودة، بلغت النفقات العامة أكثر من 128.1 تريليون دينار، ما يعني أن الإنفاق تجاوز الدخل بعشرات التريليونات.
ويشير مرصد “إيكو عراق” إلى أن نحو 90% من هذه النفقات تُعد نفقات جارية، وبقيمة تقارب 96 تريليوناً و378 مليار دينار، خُصصت في معظمها للرواتب وتقديم الخدمات الأساسية.
هذا الواقع يعكس مشكلة هيكلية في إدارة المال العام، حيث تذهب الحصة الأكبر من الإنفاق إلى تغطية التزامات ثابتة، في مقدمتها الرواتب، مقابل حصة محدودة جداً للاستثمار والتنمية.
ومع تضخم الجهاز الوظيفي للدولة وتعدد الرواتب والمخصصات، باتت الموازنة رهينة الاستحقاقات الشهرية، فيما تتراجع القدرة على إطلاق مشاريع إنتاجية قادرة على توليد إيرادات مستقبلية.
ويؤكد المرصد أن معالجة هذا العجز تتطلب مسارين متوازيين، أولهما تعزيز الإيرادات غير النفطية عبر تحسين تحصيل الضرائب وتوسيع قاعدة التعرفة الكمركية، وثانيهما ضبط النفقات الجارية ورفع كفاءة الخدمات العامة، إلا أن هذه التوصيات ما زالت تصطدم بتحديات سياسية وإدارية معقدة.
أرقام البنك المركزي وتحذيرات البرلمان
من جانبه، كشف البنك المركزي العراقي اليوم السبت أيضا، عن ارتفاع واضح في النفقات مقارنة بالإيرادات العامة خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2025.
وبيّنت إحصائية رسمية وردت لشبكة انفوبلس، أن الإيرادات العامة بلغت خلال هذه الفترة نحو 104 مليارات و434 مليون دينار، مقابل نفقات عامة وصلت إلى 115 ملياراً و535 مليون دينار، ما يعكس استمرار العجز حتى وفق الأرقام الإجمالية.
وتوزعت الإيرادات بين إيرادات ضريبية لم تتجاوز 4.8 مليارات دينار، وإيرادات أخرى بلغت 99.6 مليار دينار، فيما شملت النفقات العامة 96.3 مليار دينار كنفقات جارية، و19.1 مليار دينار كنفقات استثمارية.
هذه الأرقام تؤكد مرة أخرى أن العبء الأكبر يقع على النفقات الجارية، مع ضعف واضح في الإنفاق الاستثماري القادر على تحفيز الاقتصاد.
تحذير من آلية تمويل الرواتب
في هذا السياق، حذّر النائب الحالي عامر عبد الجبار من مؤشرات مالية وصفها بالمقلقة، تتعلق بآلية تمويل رواتب موظفي الدولة. وأشار إلى أن استمرار العجز دفع الحكومة إلى اللجوء لخيارات استثنائية لتأمين الرواتب الشهرية، أبرزها الاقتراض، محذراً من أن تراكم القروض وفوائدها قد يصل إلى مرحلة تلتهم فيها إيرادات النفط مستقبلاً.
وأوضح عبد الجبار أن الحكومة لجأت أيضاً إلى سحب أموال مجمّدة من المصارف لاستخدامها في صرف الرواتب، إضافة إلى استغلال الضمانات الضريبية التي كانت مخصصة للمستثمرين والشركات، ما أدى إلى تعطيل استرجاع تلك الضمانات وتأجيلها لسنوات لاحقة.
كما أشار إلى تكثيف فرض الغرامات والجبايات، سواء عبر المخالفات المرورية أو الرسوم على المحال التجارية، في محاولة لسد العجز، معتبراً أن هذه الإجراءات تمثل حلولاً مؤقتة لا تعالج جذور الأزمة.
التقشف الشكلي وانتقادات الخبراء
في خضم هذه التطورات، انتقد الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي قرارات حكومة تصريف الأعمال، ولا سيما وقف تمويل ابتعاث الموظفين وبيع فئات من سيارات الدولة، معتبراً أنها تمثل اعترافاً ضمنياً بوجود أزمة مالية حقيقية.
-
البنك المركزي العراقي
وأوضح أن الحكومة بدأت بتصفية بعض موجوداتها ووقف الإنفاق على أبواب صرف متعددة، إلا أن هذه الخطوات تبقى ثانوية وغير كافية لسد فجوة العجز الكبير.
ويرى الهاشمي أن بيع سيارات قديمة ومعدات مستهلكة وترشيد بعض النفقات خطوة سليمة من حيث المبدأ، لكنها لا توازي حجم العجز الذي تعاني منه الدولة.
وكان الأجدر، بحسب رأي الهاشمي، البدء بمراجعة سلم الرواتب وضبط رواتب الدرجات العليا والخاصة ومخصصاتهم الكبيرة، إضافة إلى مكافحة ظاهرة تعدد الرواتب والرواتب الوهمية التي تستنزف موارد مالية هائلة دون وجه حق.
كما انتقد تركيز الحكومة على آليات عمل مؤسسات الدولة بدلاً من مراجعة المؤسسات نفسها، وخصوصاً شركات القطاع العام الخاسرة التي تستهلك أموالاً طائلة دون مردود اقتصادي. ودعا إلى تصفية أو إعادة هيكلة هذه الشركات، وفتح الباب أمام شراكات حقيقية مع القطاع الخاص لتحويلها إلى مؤسسات منتجة وقادرة على تحقيق الربحية.
ويخلص الهاشمي إلى أن الحكومة، كما يبدو، لا تريد الدخول في مواجهة مع مراكز النفوذ أو المساس بمناطق الراحة التي يتمتع بها كبار المستفيدين، لذلك اكتفت بحلول شكلية، مع الاستمرار في تحمل العبء المالي كاملاً، حتى وإن أدى ذلك إلى مزيد من العجز والأزمات التي ترهق الاقتصاد والمواطن معاً.
في المحصلة، تكشف أرقام العجز والإنفاق عن أزمة مالية عميقة تتجاوز كونها ظرفاً عابراً، لتصبح تحدياً بنيوياً يهدد استدامة الرواتب والاستقرار الاقتصادي في العراق، وبين الاعتماد شبه المطلق على النفط، وتضخم النفقات الجارية، واللجوء إلى حلول استثنائية، يبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة الحكومة على اتخاذ قرارات إصلاحية جريئة قبل أن تتحول الأرقام المقلقة إلى أزمة معيشية أوسع نطاقاً.
جذور الأزمة المالية في العراق
لا تعود الأزمة المالية الحالية في العراق إلى عامل طارئ أو ظرف مؤقت، بل هي نتاج تراكمات هيكلية عميقة في إدارة الاقتصاد والمال العام امتدت لسنوات طويلة. في مقدمة هذه الجذور يأتي الاعتماد شبه المطلق على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات، إذ تشكل العائدات النفطية أكثر من 90% من دخل الدولة، ما يجعل الموازنة رهينة تقلبات أسعار الخام في الأسواق العالمية، وأي انخفاض فيها ينعكس مباشرة على قدرة الحكومة في الإيفاء بالتزاماتها، وعلى رأسها الرواتب.
الجذر الثاني يتمثل في تضخم النفقات الجارية، ولا سيما بند الرواتب والمخصصات، نتيجة التوسع غير المنضبط في التعيينات الحكومية، واستخدام الوظيفة العامة كأداة لامتصاص البطالة أو لتحقيق مكاسب سياسية. هذا التضخم حوّل الموازنة إلى أداة للإنفاق الاستهلاكي بدلاً من كونها أداة للتنمية، حيث تذهب غالبية الموارد لتغطية التزامات ثابتة، مقابل حصة محدودة جداً للاستثمار والإنتاج.
أما الجذر الثالث فيكمن في ضعف الإيرادات غير النفطية، بسبب هشاشة النظام الضريبي، واتساع الاقتصاد غير المنظم، وتهريب البضائع عبر المنافذ الحدودية، فضلاً عن ضعف الجباية الكمركية وتعدد الاستثناءات. ونتيجة لذلك، بقيت الضرائب والرسوم عاجزة عن لعب دور حقيقي في تمويل الخزينة، رغم اتساع السوق العراقية.
ويبرز الفساد الإداري والمالي كعامل بنيوي رابع، حيث أدى إلى استنزاف الموارد العامة عبر عقود وهمية، ورواتب مزدوجة، ومشاريع متلكئة، وشركات قطاع عام خاسرة تستنزف الموازنة دون مردود اقتصادي. هذا الفساد لم يقتصر أثره على الهدر المالي، بل أسهم في تعطيل الإصلاحات ومنع إعادة هيكلة القطاعات غير المنتجة.
كما تشكل هشاشة التخطيط المالي وغياب الرؤية طويلة الأمد جذراً خامساً للأزمة، إذ تُدار الموازنات غالباً بعقلية سنوية تركز على سد الالتزامات الآنية، دون بناء سياسات مالية مستدامة تراعي الصدمات المستقبلية أو تنوع مصادر الدخل. ويقترن ذلك بضعف التنسيق بين السياسة المالية والنقدية، ما يحد من فاعلية أدوات المعالجة.
ولا يمكن إغفال دور القرارات السياسية الشعبوية التي فضّلت الحفاظ على الاستقرار السياسي قصير الأمد على حساب الاستقرار المالي طويل الأمد، من خلال تجنب المساس برواتب الدرجات العليا، أو إصلاح سلم الرواتب، أو مواجهة شبكات المصالح داخل مؤسسات الدولة.
وفي المحصلة، فإن الأزمة المالية الراهنة هي انعكاس لاختلالات هيكلية متراكمة في بنية الاقتصاد العراقي، وليست أزمة سيولة عابرة. ومع استمرار الاعتماد على الحلول المؤقتة، يبقى خطر تفاقم العجز وتهديد الرواتب قائماً، ما لم تُتخذ إصلاحات جذرية تعيد تعريف دور الدولة وتوازن بين الإنفاق والإيرادات على أسس إنتاجية ومستدامة.
