السيارات الكهربائية في العراق.. مكاسب اقتصادية وبيئية تصطدم بضرائب جديدة تعيد القلق إلى الواجهة
انفوبلس/ تقارير
في زحام بغداد الصباحي، لم يعد صوت محركات البنزين وحده سيّد المشهد، إذ بدأت السيارات الهايبرد والكهربائية تشق طريقها بهدوء لافت حاملة معها وعوداً بتقليل الكلفة والتلوث معاً. غير أن هذا التحول الذي استند إلى منطق الاقتصاد والبيئة بات مهدداً بقرارات ضريبية جديدة قد تعيد الحسابات إلى نقطة الصفر وتضع المستهلك بين فائدة التكنولوجيا وخطر الأعباء المالية.
التحول الاقتصادي الهادئ
خلال الأشهر الماضية، سجّل السوق العراقي تغيراً واضحاً في ذائقة المستهلكين تجاه السيارات، مع تنامي الإقبال على المركبات الهايبرد والكهربائية، خصوصاً بين أصحاب الدخل المحدود وسائقي سيارات الأجرة.
هذا التوجه لم يكن نتاج دعاية أو موضة عابرة، بل جاء نتيجة حسابات اقتصادية دقيقة فرضتها ارتفاعات أسعار الوقود، وتكاليف الصيانة المتراكمة، وضغوط المعيشة اليومية.
في معارض السيارات المنتشرة على أطراف بغداد وفي المحافظات، باتت السيارات الهايبرد تحتل مساحة متزايدة من العروض. محمد سرمد، وهو صاحب معرض لتجارة السيارات يرى أن السوق شهد انعطافة حقيقية، مؤكداً أن السيارات الكهربائية والهايبرد أصبحت خياراً عملياً لا نظرياً.
ويشير إلى أن كلفة التشغيل المنخفضة مقارنة بالسيارات التقليدية جعلت كثيرين يتجاوزون حاجز السعر الأولي المرتفع نسبياً لأن العائد يظهر على المدى المتوسط من خلال تقليل الإنفاق على الوقود والصيانة.
ويلفت سرمد إلى أن السيارات الصينية كان لها الدور الأبرز في هذا التحول، إذ دخلت السوق العراقية بموديلات حديثة وتجهيزات تقنية متطورة، وبأسعار أقل من نظيراتها العالمية.
هذه السيارات بحسب حديثه، قدمت أنظمة تبريد مناسبة للبيئة العراقية ومواصفات أمان مقبولة ما جعلها تتفوق عملياً على سيارات بنزين أقدم رغم الفارق في السمعة أو العلامة التجارية.
ومع تنوع الخيارات وتعدد الفئات، لم يعد اقتناء سيارة هايبرد حكراً على فئة محددة، بل أصبح قراراً شائعاً تحكمه معادلة واضحة: تقليل المصروف الشهري في مقابل استثمار أولي أعلى، وهو ما يراه كثيرون خياراً منطقياً في ظل الواقع الاقتصادي الراهن.
بنية الشحن بين الواقع والطموح
على الرغم من هذا الإقبال المتزايد، لا تزال مسألة الشحن تمثل تحدياً أساسياً أمام انتشار أوسع للسيارات الكهربائية، فخيارات الشحن وإن كانت متاحة نسبياً تفتقر إلى التنظيم والتخطيط طويل الأمد، ولهذا يعتمد معظم المستخدمين على الشحن المنزلي مستفيدين من ساعات الليل أو على نقاط محدودة في المولات وبعض الأماكن العامة.
المواطن مهيمن علاء، وهو أحد مستخدمي السيارات الكهربائية يصف تجربته بأنها مريحة واقتصادية، مشيراً إلى أن سيارته تكفيه ليوم كامل بعد شحن ليلي ولا تنتج أي تلوث، إلا أنه يعترف بأن غياب الكهرباء المستقرة يظل العقبة الأكبر، معرباً عن أمله في أن يسهم التوجه نحو الخصخصة في تحسين استقرار الطاقة ما سيعزز الاعتماد على هذا النوع من السيارات.
على المستوى الرسمي، تؤكد وزارة التجارة أن السوق العراقية واعدة للسيارات الكهربائية، لكنها تقرّ في الوقت نفسه بغياب بنية تحتية متكاملة.
المتحدث باسم الوزارة محمد حنون أوضح في حديث له تابعته شبكة انفوبلس، أن السيارات الهايبرد هي الأكثر انتشاراً حالياً، فيما لا يزال وجود السيارات الكهربائية الخالصة محدوداً باستثناء بعض الطرازات التي تدخل البلاد غالباً بحالات حوادث، مثل سيارات تسلا.
ويشير حنون إلى أن غياب مواصفة وطنية خاصة بالسيارات الكهربائية أدى إلى إخضاعها لمتطلبات السلامة المعتمدة للسيارات التقليدية، مؤكداً أن الوزارة تدعم هذا التوجه لكونه صديقاً للبيئة.
كما كشف عن رؤية سابقة أعدّتها الشركة العامة لتجارة السيارات والمكائن لإنشاء منظومات شحن إلا أن غياب الغطاء القانوني وضعف البنى التحتية وصعوبات التنسيق مع وزارتي النفط والكهرباء حالت دون تنفيذها مع طرح خيار الشواحن العاملة بالطاقة الشمسية كحل مستقبلي.
الضرائب والجدل البيئي
في خضم هذا المشهد، برز ملف الضرائب الجديدة كعامل مقلق قد يغيّر مسار السوق، فقد أعلنت الهيئة العامة للجمارك اعتماد تعرفة جمركية جديدة بنسبة 15% على السيارات الهجينة، بما فيها الهايبرد والكهربائية، اعتباراً من الأول من كانون الثاني 2026، مع التطبيق الإلزامي للمواصفات العراقية على السيارات المستوردة من موديل 2025 فما فوق.
الهيئة بررت القرار بتنظيم عمليات الاستيراد ورفع مستويات الجودة والسلامة وحماية المستهلك من المركبات غير المطابقة للمواصفات، غير أن خبراء الاقتصاد يرون أن أي زيادة في كلفة الاستيراد ستنعكس سريعاً على الأسعار لأن الاستيراد يمثل العنصر الأكبر في التسعير.
ومع ارتفاع أسعار المعروض الجديد، ينتقل الأثر تلقائياً إلى سوق المستعمل بحكم تأثير البدائل ما يعني تحميل المستهلك النهائي العبء الأكبر.
وبهذا الصدد، يرى أستاذ الاقتصاد في البصرة نبيل المرسومي أن ما يُتداول حالياً يندرج في إطار التسريبات أكثر من كونه قرارات نهائية، مشيراً إلى محدودية البيانات الحكومية المعلنة، لكنه أوضح أن الأخبار الرسمية تشير إلى فرض ضرائب بنسبة 15% على السيارات الجديدة العاملة بالطاقة الكهربائية والبنزين بعد أن كانت معفاة، إضافة إلى ضريبة 5% على استيراد الذهب.
ويتوقع المرسومي أن يكون المواطن المتضرر الأكبر من هذه الإجراءات، مرجحاً توسع نطاق الضرائب مع تشكيل حكومة جديدة في وقت تعمل فيه الحكومة الحالية بصفة تصريف أعمال.
من زاوية بيئية، قوبلت هذه القرارات بانتقادات حادة، إذ وصف مرصد “العراق الأخضر” مساواة التعرفة الكمركية على السيارات الهجينة مع الاعتيادية بأنه “خطأ فادح”، داعياً إلى إعادة النظر فيه للحد من نسب التلوث.
وأكد المرصد في بيان له ورد لشبكة انفوبلس، أن دعم السيارات الهجينة عبر تخفيض أو إلغاء الرسوم كان سيشكل خطوة أولى نحو الالتزام بالمعايير الدولية لتقليل التلوث، خصوصاً مع وصول عدد السيارات في العراق إلى أكثر من 8 ملايين مركبة.
المرصد أشار إلى أن وزارة البيئة بحسب ما يبدو لم تنجح في إيصال الأثر الإيجابي لتخفيض الرسوم على السيارات الهجينة إلى الجهات التنفيذية، رغم انعكاس ذلك المباشر على جودة الهواء وصحة المواطنين.
ودعا الهيئة العامة للجمارك إلى إعادة النظر بالقرار، ودعم اقتناء السيارات الهجينة لزيادة انتشارها وتقليل التلوث في المدن المكتظة.
وتعزز هذه المخاوف توقعات مؤسسة “عراق المستقبل” للدراسات والاستشارات الاقتصادية، التي رجحت أن يتجاوز عدد السيارات في البلاد 9 ملايين بحلول عام 2030، بسبب ضعف البنى التحتية للنقل العام، وهو ما أكدته مديرية المرور العامة بإعلانها أن عدد السيارات المسجلة تجاوز 8 ملايين، مقارنة بنحو 7 ملايين فقط في عام 2020.
في المحصلة، يقف ملف السيارات الهايبرد والكهربائية في العراق عند مفترق طرق: بين فائدة اقتصادية وبيئية واضحة، وقرارات ضريبية قد تعيق انتشارها. وبين هذا وذاك يبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة السياسات الحكومية على تحقيق توازن حقيقي بين تنظيم السوق، وحماية البيئة، وعدم إثقال كاهل المواطن بأعباء جديدة.

