تدخل الخدمة قبل حزيران المقبل.. ماذا تعني منصة الغاز العائمة لقطاع الكهرباء في العراق؟
انفوبلس/ تقرير
في خطوة تُعد من أبرز مشاريع الطاقة العاجلة في البلاد، تستعد الحكومة العراقية لتشغيل منصة استيراد الغاز المسال العائمة قبل شهر حزيران/يونيو المقبل، بطاقة تصل إلى 500 مليون قدم مكعبة قياسية يوميًا، بهدف تعويض النقص المزمن في وقود محطات توليد الكهرباء الغازية، ولا سيما بعد تذبذب وانقطاع الإمدادات المستوردة عبر الأنابيب من إيران.
ويأتي هذا المشروع ضمن حزمة حلول سريعة وضعتها بغداد لتأمين وقود مستقر لمحطات الكهرباء، وتقليص ساعات القطع المبرمج خلال فصول الذروة، في وقت يواجه فيه العراق طلبًا متزايدًا على الطاقة، يقابله عجز هيكلي في إنتاج الغاز المحلي.
إنجاز البنية التحتية وربط المحطات
أكدت وزارة الكهرباء إنجاز جميع الأنابيب الناقلة التي تربط المنصة العائمة بمحطات التوليد الرئيسة، بطاقة استيعابية تبلغ 500 مليون قدم مكعبة يوميًا، بما يتيح ضخ الغاز مباشرة إلى الشبكة الوطنية فور بدء التشغيل. وتم تنفيذ هذه الأعمال بالتعاون مع شركة "إكسيليريت إنرجي" الأميركية، التي وقّعت معها الحكومة عقدًا لتجهيز وتشغيل المنصة ضمن سقف زمني محدد ينتهي قبل الأول من حزيران المقبل.
ويمثل اكتمال شبكة الأنابيب خطوة حاسمة في مسار المشروع، إذ أزال أحد أهم المعوقات الفنية، وجعل المنصة جاهزة للعمل فور وصول أولى شحنات الغاز المسال إلى موقعها في ميناء خور الزبير بمحافظة البصرة.
من المقرر أن تزود المنصة العائمة منظومة الكهرباء بكميات تصل إلى 500 مليون قدم مكعبة قياسية يوميًا من الغاز المعاد تغويزه، وهي كميات يُتوقع أن تسهم في دعم إنتاج يتراوح بين 3 آلاف و4 آلاف ميغاواط من الكهرباء، وفق أحدث التقديرات الحكومية.
وتُعد هذه الإضافة مؤثرة في سد فجوة الوقود، ولا سيما خلال أشهر الصيف التي تشهد ذروة الطلب، ما ينعكس بشكل مباشر على تقليل ساعات الانقطاع وتحسين استقرار التجهيز في المدن الرئيسة.
عقد "إكسيليريت" والآليات التنفيذية
أوضح المتحدث باسم وزارة الكهرباء، أحمد موسى، أن التعاقد مع شركة "إكسيليريت إنرجي" جرى بعد سلسلة اجتماعات فنية وإدارية، جرى خلالها الاتفاق على جميع الآليات التنفيذية للمشروع. ولفت إلى أن الاجتماع الأخير، الذي عقد بمشاركة هيئة الموانئ العراقية وبحضور مديرها العام، خُصص لاختيار الرصيف الأنسب لإنشاء المنصة العائمة في ميناء خور الزبير.
وبيّن موسى أن الآليات الفنية لإنشاء وتشغيل المنصة حُددت بالكامل، مع المباشرة الفعلية بالأعمال من قبل الشركة الأميركية، مؤكدًا التزام الحكومة بسقف زمني صارم لإنجاز المشروع قبل مطلع حزيران، وبطاقة تجهيز تبلغ 500 مليون قدم مكعبة من الغاز يوميًا.
يشمل العقد مع "إكسيليريت" تشغيل وحدة عائمة متخصصة قادرة على استقبال شحنات الغاز المسال بسعات تتراوح بين 125 ألفًا و170 ألف متر مكعب للشحنة الواحدة، مع قدرة إعادة تغويز تصل إلى 500 مليون قدم مكعبة قياسية يوميًا، إضافة إلى خدمات التشغيل والصيانة والدعم الفني.
وتُعد "إكسيليريت إنرجي" من الشركات الرائدة عالميًا في مجال وحدات التخزين وإعادة التغويز العائمة (FSRU)، إذ تشغّل أكثر من 10 وحدات مماثلة حول العالم، وأسهمت في تزويد أسواق ناشئة بالغاز المسال خلال فترات زمنية قصيرة تراوح بين 6 و12 شهرًا من تاريخ التعاقد.
"فجر جديد" للاستقلال الطاقوي
من جانبه، وصف الخبير في الشأن الاقتصادي ماجد أبو كلل منصة الغاز المسال العائمة في البصرة بأنها "فجر جديد" لمسار الاستقلال الطاقوي في العراق. وأشار إلى أن البلاد، مع حلول عام 2026، تقف على أعتاب مرحلة مفصلية في قطاع الطاقة، مع قرب افتتاح منصة استقبال وتخزين وإعادة تغويز الغاز المسال في ميناء خور الزبير.
وأوضح أبو كلل أن المشروع لا يقتصر على كونه منشأة فنية، بل يمثل "صمام أمان" اقتصاديًا لمعالجة إحدى أعقد أزمات الاقتصاد العراقي، المتمثلة بنقص وقود محطات الكهرباء، معتبرًا أنه ينقل العراق من حالة "التبعية الأحادية" لمصدر واحد، إلى "المرونة التجارية" في استيراد الغاز.
تنويع المصادر وكسر الاحتكار
لفت أبو كلل إلى أن العراق عانى خلال السنوات الماضية من تذبذب إمدادات الغاز المستورد عبر الأنابيب، نتيجة عوامل جيوسياسية وفنية، مؤكدًا أن المنصة العائمة ستتيح استيراد الغاز المسال من السوق العالمية، سواء من قطر أو الولايات المتحدة أو غيرهما، وبأسعار تنافسية.
وأضاف أن هذا التنويع سينهي حصر التجهيز بمصدر واحد، ويعزز استقرار منظومة الكهرباء، كما يمنح الحكومة قدرة أكبر على المناورة وتحسين شروط التفاوض وتقليل كلف التشغيل.
أثر مباشر على القطع المبرمج
وتوقع أبو كلل أن تسهم كميات الغاز المستوردة عبر المنصة في تشغيل محطات توليد توفر ما يصل إلى 2000 ميغاواط إضافية، ما يقلص ساعات القطع المبرمج بشكل ملموس، ولا سيما في المحافظات ذات الأحمال العالية. كما أشار إلى أن المرونة في اختيار الموردين ستنعكس إيجابًا على الميزان التجاري، حتى مع بقاء العراق مستوردًا للغاز في المدى القريب.
وعدّ أبو كلل منصة الغاز العائمة حلًا انتقاليًا ذكيًا، يتكامل مع المشاريع الإستراتيجية طويلة الأمد، مثل "مشروع نمو الغاز المتكامل" (GGIP) مع شركة توتال إنيرجي، وتوسعات شركة غاز البصرة الهادفة إلى تقليص حرق الغاز المصاحب.
وأوضح أن المنصة ستعمل كجسر يؤمّن الوقود لمحطات الكهرباء إلى حين تحقيق هدف الاكتفاء الذاتي الكامل المخطط له بحلول عام 2028، من خلال استثمار الغاز المحلي وتقليل الهدر.
وأشار إلى أن دخول العراق سوق الغاز المسال العالمية عبر بوابة البصرة هذا العام سيعزز من تصنيفه الائتماني، بوصفه بيئة جاذبة للاستثمارات الصناعية المعتمدة على الغاز، مثل صناعات البتروكيماويات والأسمدة، التي كانت تتعطل سابقًا بسبب نقص الوقود وعدم استقرار الإمدادات.
تكنولوجيا مرنة وحلول سريعة
بدوره، أوضح الباحث في الشأن الاقتصادي عماد المحمداوي أن منصات استيراد الغاز العائمة تُعد تكنولوجيا مجرّبة عالميًا، تلجأ إليها دول عديدة بصفتها حلًا سريعًا لاستيراد الغاز من دون الحاجة إلى بنية تحتية برية معقدة ومكلفة.
وأضاف أن العراق يعاني منذ أمد بعيد من عجز كبير في الغاز المخصص لتشغيل محطات الكهرباء، وأن تشغيل المنصة العائمة سيسهم في خفض هذا العجز بشكل سريع وملموس، نظرًا لإمكانية نصب وتشغيل هذه الوحدات خلال فترات زمنية قصيرة.
وأكد المحمداوي أن منصة الغاز المسال تمثل خيارًا إستراتيجيًا لتحقيق استقرار إنتاج الكهرباء، عبر ضمان إمدادات وقود كافية لتغطية الحاجة الفعلية للمحطات، وتقليل فترات الانقطاع خلال فصول الذروة، فضلًا عن تحسين كفاءة منظومة الكهرباء الوطنية.
حرق الغاز وخسائر بالمليارات
وتزامنًا مع هذا المشروع، تواصل وزارة النفط تنفيذ مشروعات استثمار الغاز المصاحب والحر، في وقت تشير فيه بيانات رسمية إلى أن العراق يحرق سنويًا نحو 17 مليار متر مكعب من الغاز، ما يعادل خسائر مالية تتجاوز 5 مليارات دولار سنويًا، إلى جانب الآثار البيئية السلبية.
ويُنتظر أن تشكل منصة الغاز العائمة جزءًا من منظومة حلول أشمل لمعالجة أزمة الطاقة، عبر الجمع بين الاستيراد المرن والاستثمار المحلي، وصولًا إلى تحقيق أمن طاقوي مستدام يلبّي احتياجات البلاد المتزايدة من الكهرباء، ويدعم مسار التنمية الاقتصادية في السنوات المقبلة.

