أبراهام لم يكن البداية: القصة السرية لعلاقات الإمارات وإسرائيل قبل الإعلان الرسمي.. ودور قذر لـ"إبستين"
انفوبلس/ تقارير
لم يكن المشهد الذي ظهر عام 2020 مع توقيع اتفاقيات أبراهام سوى لحظة كشف، لا لحظة تأسيس. فما بدا أمام الكاميرات على أنه اختراق تاريخي في علاقات الشرق الأوسط، كان في حقيقته تتويجًا لمسار طويل من الخضوع السياسي الإماراتي لإسرائيل، بُني بصمت، وتشكّل في الغرف المغلقة،وتغذّى على الخوف من واشنطن، والارتهان للأمن،والاستعداد لتقديم التنازلات مقابل القبول والحماية.
وفي قلب هذا المسار، تحرّك جيفري إبستين، لا كفاعل دبلوماسي، بل كسمسار نفوذ، جمع المال بالاستخبارات، والفضائح بالعلاقات الشخصية،وأسهم في هندسة علاقة غير متكافئة جعلت من الإمارات تابعًا سياسيًا وأمنيًا لإسرائيل، قبل أن تصبح شريكًا معلنًا لها.
مشروع نفوذ بلا استقلال
منذ مطلع العقد الثاني من الألفية، بدأت الإمارات في صياغة دور إقليمي يتجاوز حدودها الجغرافية وقدرتها الطبيعية، مستندة إلى فائض مالي أكثر منه إلى مشروع سياسي سيادي.
لم يكن هذا الدور قائمًا على بناء تحالفات متوازنة، بل على التغلغل في نقاط حساسة من الإقليم، خصوصًا الموانئ وخطوط التجارة البحرية والمناطق المتنازع عليها.
هذا الطموح الذي امتد من جنوب اليمن إلى القرن الأفريقي كشف سريعًا عن هشاشته، إذ لم يكن قادرًا على الصمود دون غطاء خارجي قوي.
هنا برزت إسرائيل لا بوصفها شريكًا متساويًا، بل بوصفها بوابة عبور إلزامية، فالإمارات التي صُدمت عام 2006 عندما أسقط الكونغرس الأميركي صفقة “موانئ دبي العالمية” في الولايات المتحدة، أدركت أن المال وحده لا يكفي، وأن النفوذ الحقيقي في واشنطن لا يُشترى مباشرة، بل يُستعار عبر تل أبيب.
منذ تلك اللحظة، بدأت عملية إعادة تموضع صامتة لم تعلن فيها الإمارات تغييرًا في خطابها العلني لكنها غيّرت جوهر تحالفاتها الفعلية.
إسرائيل كضامن وحارس
لم تتعامل أبوظبي مع إسرائيل من منطلق سلام أو تسوية تاريخية، بل من زاوية وظيفية بحتة، إسرائيل كانت القادرة على توفير ما تحتاجه الإمارات: النفوذ في الكونغرس، القبول في الدوائر الأمنية الأميركية، والتكنولوجيا الاستخبارية المتقدمة، في المقابل لم تطلب إسرائيل خطابًا سياسيًا فقط، بل طلبت فتح الأبواب واحدًا تلو الآخر داخل الاقتصاد والأمن والقرار السيادي.
بهذا المعنى، لم يكن التطبيع خيارًا إماراتيًا مستقلًا، بل نتيجة طبيعية لمسار خضوع بدأ مبكرًا، حين قبلت أبوظبي أن تكون ساحة نفوذ بدل أن تكون طرفًا ندّيًا، وهذا ما يفسّر أن العلاقات الأمنية والاستخبارية سبقت بكثير أي إعلان سياسي وأن ما كُشف لاحقًا لم يكن سوى قشرة لعلاقة أعمق وأكثر اختلالًا.
جيفري إبستين.. الوسيط القذر بين أبوظبي وتل أبيب
وسط هذا المشهد، تحرّك جيفري إبستين بهدوء، لم يكن يحمل صفة رسمية، لكنه كان يمتلك ما هو أكثر فاعلية: شبكة علاقات تمتد من المال إلى الاستخبارات، ومن السياسيين المتقاعدين إلى الأجهزة الأمنية، علاقته الوثيقة بسلطان أحمد بن سليم، الرجل الذي يدير العصب اللوجستي للإمارات عبر “موانئ دبي العالمية”، لم تكن تفصيلًا هامشيًا،بل مدخلًا لاختراق واحد من أكثر القطاعات حساسية في الدولة.
المراسلات المسربة تكشف أن إبستين لم يكن مستشارًا عابرًا، بل شريك ثقة يُستشار في السياسة ويُنسّق اللقاءات ويقترح المشاريع، بل ويتدخل في أدق التفاصيل الشخصية.
هذا المستوى من القرب لا يمكن فصله عن طبيعة الدور الذي لعبه، إذ تحوّل إلى حلقة وصل بين النخب الإماراتية والإسرائيلية يسهّل اللقاءات ويكسر الحواجز النفسية ويمهّد لانتقال العلاقة من السر إلى العلن.
موانئ دبي العالمية.. البوابة الاقتصادية للتطبيع
لم تكن “موانئ دبي العالمية” مجرد شركة، بل أداة نفوذ سيادي، ومع ذلك جرى التعامل معها كمنصة مفتوحة للتقاطع مع المصالح الإسرائيلية.
قبل سنوات من اتفاقيات أبراهام، كانت هناك نقاشات حول استثمارات إسرائيلية في الموانئ، وتطوير بنى لوجستية مشتركة، وربط خطوط الشحن بين جبل علي والموانئ الإسرائيلية.
هذا النوع من التعاون لا يمكن اعتباره اقتصاديًا صرفًا، فالموانئ ليست تجارة فقط، بل أمن وحدود وسيطرة، حين تُفتح هذه الملفات أمام إسرائيل، فإن ذلك يعني عمليًا إدخال لاعب أجنبي إلى قلب القرار السيادي، دون أي مقابل سياسي حقيقي، سوى وعود بالحماية والنفوذ.
عام 2006، تلقت الإمارات ضربة موجعة عندما أجهض الكونغرس الأميركي صفقة استحواذ «موانئ دبي العالمية» على موانئ أميركية، بذريعة الأمن القومي. تلك الحادثة شكّلت صدمة للنخب الإماراتية، ورسخت قناعة بأن الطريق إلى واشنطن يمر عبر إسرائيل.
منذ ذلك الحين، بدأت عملية إعادة تموضع استراتيجية، لعب فيها إبستين دور المستشار غير المعلن، مقدماً خبرته في كيفية التعامل مع مراكز النفوذ الأميركية، عبر القنوات الإسرائيلية
التكنولوجيا كحصان طروادة
دخلت إسرائيل إلى الإمارات من بوابة الأمن السيبراني، شركات مثل “كارباين”، المرتبطة بإبستين وإيهود باراك، لم تكن مجرد استثمار مالي، بل قناة لاختراق البنية الأمنية والبيانية، تقنيات الطوارئ، وأنظمة تحديد المواقع، وتدفقات البيانات الحساسة، كلها مجالات سيادية بامتياز، ومع ذلك جرى تسليمها لشركات إسرائيلية تحت غطاء الشراكة والتحديث.
هذا المسار يعكس ذروة الخضوع، حين تتحول الدولة من مستخدم للتكنولوجيا إلى رهينة لها، خصوصًا عندما تأتي من طرف يمتلك سجلًا استخباريًا طويلًا في توظيف التقنية لأغراض السيطرة والابتزاز.
العلاقات الشخصية… حين يُدار القرار بالثقة لا بالمؤسسات
لم تقتصر العلاقة على السياسة والاقتصاد، لعب إبستين دورًا في تسهيل علاج أفراد من عائلة ابن سليم داخل مراكز طبية إسرائيلية، وفي ترتيب علاقات شخصية، وتقديم نصائح مباشرة حول كيفية التعامل مع الإدارة الأميركية.
هذا التداخل بين الشخصي والسياسي يعكس كيف أُفرغت المؤسسات من دورها، وكيف جرى نقل القرار إلى دوائر ضيقة تحكمها الثقة الشخصية، لا المصالح الوطنية.
أبراهام… لحظة رفع الستار
عندما أُعلنت اتفاقيات أبراهام، لم تكن صدمة بقدر ما كانت اعترافًا رسميًا بعلاقة قائمة، كل ما سبق الاتفاقيات كان يؤكد أن الإمارات لم تذهب إلى التطبيع من موقع قوة، بل من موقع الباحث عن ضمان.
إسرائيل، من جهتها لم تُقدّم تنازلات، بل حصدت مكاسب متراكمة، من النفوذ الأمني إلى الاختراق الاقتصادي.
ما بعد الاتفاقيات أثبت ذلك بوضوح، صفقات سلاح بمليارات الدولارات، تعاون استخباري علني، تمدد مشترك في القرن الأفريقي، وصولًا إلى دعم مشاريع انفصالية مثل “أرض الصومال”، في تحدٍ صريح للإجماع العربي والأفريقي.
ما بعد إبستين… الشبكة التي لم تمت
لم يؤدِّ سقوط إبستين، إلى تفكيك الشبكة التي ساهم في بنائها. على العكس، استمر المسار بوتيرة أسرع، وكأن الرجل أدى مهمته وغادر، تاركًا بنية جاهزة للعمل.
سلطان بن سليم بقي في الواجهة، والمشاريع توسعت، والتحالف ترسّخ، ما يؤكد أن القضية لم تكن شخصًا، بل نهجًا كاملاً في إدارة السياسة الخارجية الإماراتية.
خلاصة
تكشف هذه القصة بتفاصيلها المتراكمة، أن العلاقة الإماراتية–الإسرائيلية لم تكن خيار سلام، بل خيار تبعية، خضوعٌ بدأ من الخوف من واشنطن، وتحوّل إلى ارتهان لتل أبيب، وانتهى بتسليم مفاتيح حساسة من القرار السيادي مقابل وهم النفوذ والحماية.
أما جيفري إبستين، فكان واحدًا من مهندسي هذا المسار في الظل، ليس لأنه الأقوى، بل لأنه الأكثر قدرة على العمل في المساحات الرمادية التي وُلدت فيها هذه العلاقة.