المقاومة الإقليمية ترسم معادلة ردع جديدة بوجه أميركا وإسرائيل دفاعاً عن إيران
رسائل متزامنة ترفع الكلفة
انفوبلس..
في ظلّ مناخ إقليمي مشحون بالتصعيد السياسي والعسكري، تتكثف المؤشرات على اقتراب المنطقة من مرحلة شديدة الحساسية، مع تصاعد التهديدات الأميركية والصهيونية ضد الجمهورية الإسلامية في إيران.
هذا المشهد لا يُقرأ بمعزل عن شبكة التحالفات الإقليمية التي تشكّلت خلال العقود الماضية، حيث سارعت قوى وحركات المقاومة في أكثر من ساحة إلى إعلان مواقف واضحة تعكس استعدادها للتعامل مع أي تطور ميداني محتمل.
هذه المواقف، التي صدرت بشكل متزامن، تحمل رسائل سياسية وعسكرية تتجاوز حدود الدعم السياسي، لتؤكد أن أي عدوان على إيران لن يبقى محصوراً جغرافياً، وستكون له ارتدادات إقليمية واسعة قد تعيد رسم معادلات الصراع في غرب آسيا.
رسائل ما قبل المواجهة
في هذا السياق، أصدرت حركات المقاومة في المنطقة رسائل سياسية وعسكرية متزامنة، تعكس استعداداً للتعامل مع أي تصعيد محتمل ضد إيران، وتؤشّر إلى أنّ كلفة أيّ “مغامرة عسكرية أميركية إسرائيلية” ستكون إقليمية الطابع.
ومع تصاعد التهديدات الأميركية باحتمال شنّ عدوان على إيران، تتسارع مواقف حلفائها الإقليميين لتؤكّد أنّ أيّ استهداف لطهران لن يبقى محصوراً ضمن حدودها الجغرافية، وقد يفتح الباب أمام مواجهة أوسع متعددة الجبهات، تمتد من لبنان إلى اليمن والعراق وفلسطين.
حزب الله: الدفاع حاضر وخيارات التدخل مفتوحة
ضمن هذا المشهد، شدّد الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم على أنّ الحزب لا يمكنه السكوت عن أيّ تهديد يطال قائد الثورة في إيران السيد علي الخامنئي، مؤكّداً أنّ حزب الله معنيّ بما يجري ومصمّم على الدفاع، مع احتفاظه بحقّ اختيار شكل التدخّل وتوقيته وفق تطورات الميدان.
هذا الموقف يعكس ثبات الحزب على معادلة الردع الإقليمي، وارتباط أمن لبنان وساحته بما يجري في الإقليم، من دون الخوض في تفاصيل ميدانية أو تحديد سيناريوهات مسبقة، بما يترك المجال مفتوحاً أمام تقدير الموقف وفق مسار الأحداث.
اليمن يرسل إشارات ميدانية من خليج عدن
أما في اليمن، فقد تزامن الموقف الداعم لطهران مع رسائل ميدانية واضحة، تمثّلت في نشر الإعلام الحربي اليمني مشاهد لعملية استهداف ناقلة نفط بريطانية في خليج عدن.
هذه الخطوة حملت دلالات على اتساع نطاق الحظر البحري وتطور القدرات الصاروخية، بما يعكس استعداد صنعاء للانخراط في أي معادلة ردع إقليمية مرتبطة بتطورات المواجهة مع إيران، ويؤكد أن الساحة اليمنية باتت جزءاً أساسياً من حسابات الصراع الإقليمي.
العراق: تحذير من حرب مكلفة ودعوة لحماية السيادة
في العراق، أعلن الأمين العام لكتائب حزب الله أبو حسين الحميداوي وقوف الكتائب إلى جانب إيران في “السراء والضراء”، محذّراً الولايات المتحدة من أنّ الحرب على إيران لن تكون نزهة، وأن كلفتها ستكون باهظة.
كما جدّدت كتائب سيد الشهداء موقفها الداعم للجمهورية الإسلامية، داعية السلطات العراقية إلى منع استخدام الأجواء العراقية في أي اعتداء محتمل، ومؤكدة مسؤوليتها الوطنية والقانونية في هذا الإطار، في موقف يعكس تداخلاً بين البعد السيادي العراقي وحسابات الصراع الإقليمي.
"تدخّل حزب الله سيرفع كلفة المعركة"
في قراءة تحليلية للمشهد اللبناني، يرى الباحث في العلاقات الدولية محمد حسن سويدان أنّ الخطر الحقيقي من تدخّل حزب الله لا يكمن في الحركة نفسها، بل في الفوضى التي قد تخلقها المنطقة إذا تحوّل الصراع إلى مواجهة شاملة.
وبحسب سويدان، فإنّ أيّ تحرّك من قبل قوى المقاومة لا يُقرأ كإسناد لإيران، بل دفاع عن مشروع يرفض الهيمنة والاستعمار، إذ إنّ استهداف الجمهورية الإسلامية يعني ضرب الركيزة الأساسية لهذا المسار.
ويؤكّد أنّ تدخّل الحزب سيرفع كلفة المعركة ويوسّع نطاقها، لتتجاوز المواجهة بين إيران و“إسرائيل” بدعم أميركي، وتطال جميع ساحات المنطقة، مشيراً إلى أنّ خطاب الشيخ نعيم قاسم الأخير ترك كلّ الخيارات مطروحة وفق مستوى التصعيد وقدرة إيران على المواجهة.
العراق يرفع مستوى المواجهة
من جهته، يرى الكاتب والصحافي زاهر موسى أنّ بيان الأمين العام لكتائب حزب الله أبو حسين الحميداوي يمثّل نقلة نوعية في التصعيد، متجاوزاً الحدود المذهبية ليشمل العراقيين كافة، ومستحضراً أربعة عقود من دعم الجمهورية الإسلامية لقضايا المسلمين.
ويشير موسى إلى أنّ البيان يفتح الباب لاحتمال صدور فتاوى للجهاد الدفاعي، "ما قد يرفع مستوى المواجهة إلى نطاق أوسع يشمل إيران مرتكزاً لحماية المظلومين"، معتبراً أنّ استقرار العراق ونجاحه الاقتصادي مرتبطان بعمقه الاستراتيجي الذي وفّرته الجمهورية الإسلامية على مدى عقود.
اليمن في قلب المعادلة: لا حياد في مواجهة وجودية
وفي ما يخصّ اليمن، يضع عضو المكتب السياسي في حركة أنصار الله محمد الفرح أيّ عدوان محتمل على إيران في إطار يتجاوز حدود الدولة والجغرافيا، باعتباره عدواناً على الأمة الإسلامية بأكملها وانتهاكاً صارخاً لسيادة الدول.
ويؤكّد الفرح رفض اليمن موقع الحياد، معلناً الاستعداد والجهوزية لأي جولات مقبلة، ومعبّراً عن ثقته بقدرة إيران وحلفائها على الرد القوي وغير المحدود، بما قد يطال الكيان الإسرائيلي والقواعد والمصالح الأميركية.
غرب آسيا بعد الضربة المحتملة
في مقاربة أوسع، تحذّر مراكز دراسات غربية وإقليمية من أنّ أيّ حرب على إيران لن تكون حدثاً عابراً، بل لحظة كسر تعيد رسم ملامح غرب آسيا.
وتشير تقارير، بينها معهد دراسة الحرب وموقع ynetnews ووكالة “رويترز”، إلى مخاطر مواجهة إقليمية متعددة الجبهات، وارتفاع أسعار النفط، واضطرابات اقتصادية عالمية، في حال اندلاع أي عدوان، ما يعزز القناعة بأن كلفة الحرب لن تقتصر على إيران وحدها، بل ستطال المنطقة والعالم.
التهديدات الأميركية بين الإخراج الإعلامي وحسابات الردع
رغم ما روّجت له وسائل الإعلام الإسرائيلية والغربية من أنّ لهجة التهديد التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه الجمهورية الإسلامية الإيرانية تعكس بالضرورة مضمون التفاهمات التي جرت خلف الأبواب المغلقة مع رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، إلا أنّ هذا الاستنتاج لا يبدو مؤكداً.
فطبيعة العلاقة المركّبة بين الطرفين، وسجلّ التجربة السابقة، يشيران إلى احتمال أن يكون الخطاب التصعيدي جزءاً من إخراج إعلامي محسوب، يخدم بالدرجة الأولى حاجة نتنياهو إلى إنجاز خارجي يخفف من أزماته الداخلية، أكثر مما يعكس قراراً أميركياً ثابتاً بالذهاب إلى مواجهة مباشرة مع إيران.
ومن هذا المنطلق، تُقرأ التهديدات الأميركية الأخيرة كأداة ضغط نفسي وسياسي، تهدف إلى إعادة ترميم صورة الردع الإسرائيلي من جهة، وتحويل الأنظار داخل الكيان إلى “التهديد الخارجي” بدلاً من القضايا الداخلية المتفاقمة من جهة أخرى.
هذا ما عكسه الأداء الإعلامي الإسرائيلي الذي ضخّم التهديدات، مقابل اعترافات غير مباشرة في بعض المنابر بأن ترامب لا يفضّل الحرب، وأنه ميّال لمنطق الصفقات.
في المقابل، تتعامل إيران مع هذا الخطاب ببرودة أعصاب، مستندة إلى معادلة ردع قائمة، وتدير الصراع ضمن قواعد اشتباك محسوبة. وعليه، يبدو المشهد أقرب إلى حرب نفسية وإدارة صورة سياسية، لا إلى قرار حرب شاملة، مع بقاء احتمالات التصعيد المحدود قائمة ضمن حسابات معقّدة للكلفة والعائد.
مركز الاشتباك وثبات الموقف
في السياق ذاته، برز موقف المقاومة الفلسطينية بوصفه جزءاً أصيلاً من معادلة الردع الإقليمية، انطلاقاً من كون فلسطين تمثّل ساحة الاشتباك المركزية مع الكيان الإسرائيلي، وأي عدوان على الجمهورية الإسلامية في إيران يُقرأ فلسطينياً باعتباره امتداداً لمحاولات حماية المشروع الإسرائيلي وتحصينه في المنطقة.
الفصائل الفلسطينية تنظر إلى إيران كداعم سياسي وعسكري أساسي لمسار المقاومة، وكركيزة توازن في مواجهة التفوق العسكري الإسرائيلي المدعوم أميركياً.
وتعتبر المقاومة الفلسطينية أن تماسك جبهات محور المقاومة يشكّل عنصر قوة في مواجهة الضغوط العسكرية والسياسية، ويمنحها هامشاً أوسع للصمود والمناورة.
وعليه، فإن موقفها الداعم لإيران يندرج ضمن رؤية استراتيجية تعتبر أن أي ضربة تستهدف الجمهورية الإسلامية تهدف في جوهرها إلى إضعاف فلسطين قبل أي ساحة أخرى، الأمر الذي يفرض موقفاً واضحاً برفض العدوان والاستعداد لمواجهة تداعياته.