تدخل أمني بريطاني يحسم مصير الجولاني بعد اشتباكات وقعت في القصر الجمهوري
غموض أمني غير مسبوق
انفوبلس..
عاد اسم أحمد الشرع، المعروف سابقًا بأبي محمد الجولاني، إلى واجهة الجدل الإقليمي والدولي، بعد أيام من الغموض والتضارب حول مصيره إثر ما تردّد عن حدث أمني خطير داخل القصر الجمهوري بدمشق.
وبين صمت رسمي، وتسريبات من داخل الدائرة الجهادية السابقة، وظهور إعلامي مُرتّب بعناية، تتكشف ملامح أزمة عميقة تتجاوز سلامة شخص، لتلامس هشاشة سلطة انتقالية يقودها رجل ذو تاريخ إرهابي وعلاقات دولية ملتبسة، تقف بريطانيا في قلبها.
غموض القصر الجمهوري: ما الذي جرى ليل 30 كانون الأول؟
لعدة أيام، خيّم ارتباك غير مسبوق على العاصمة السورية، بالتزامن مع تداول واسع لمعلومات عن وقوع حدث أمني خطير داخل القصر الجمهوري في مرتفعات المزة، ليلة 30 كانون الأول 2025. التسريبات تحدثت عن انفجار أعقبه اشتباك مسلح استهدف اجتماعًا عالي المستوى، ما فتح الباب أمام سيناريوهات متعددة، أبرزها تعرّض رئيس الحكومة الانتقالية أحمد الشرع لمحاولة اغتيال.
غياب الشرع المفاجئ، وتوقف نشاطه العلني، وغياب أي توضيح فوري من السلطات، عزز الشكوك، خاصة في ظل سجل أمني معقّد لرجل قادم من تنظيمات مصنفة إرهابيًا. فالصمت الرسمي لم يُقابل بطمأنة بقدر ما فُسّر على أنه محاولة لاحتواء تداعيات حادث قد يفضح هشاشة الترتيبات الأمنية داخل أعلى مؤسسة سيادية في البلاد.
شهادات من الداخل: تسريبات حموي تكسر جدار الصمت
القيادي السابق في جبهة النصرة، صالح الحموي، خرج عن الصمت ليؤكد وقوع “حدث كبير جدًا”، متهمًا الجهات الرسمية بترويج رواية كاذبة. تصريحات الحموي اكتسبت أهمية خاصة لكونه أحد مؤسسي الجبهة وشخصية كانت قريبة من الجولاني في مراحل مفصلية.
بحسب الحموي، فإن الاشتباك كان داخليًا وسريعًا، ولم يتجاوز 12 دقيقة، لكنه أسفر عن إصابات خطيرة، أبرزها إصابة عبد الرحيم عطون، الشرعي البارز في هيئة تحرير الشام. كما ألمح إلى وجود قتلى، في تناقض صارخ مع الرواية الرسمية التي أنكرت أصلًا وقوع أي حدث أمني.
اللافت أن الحموي أشار إلى أن الشرع يعاني من كدمات ورضوض في الوجه، وهو ما يمنعه من الظهور العلني، ما ينسف رواية “الالتهاب الرئوي” التي جرى تسويقها لاحقًا لتبرير غيابه.
التدخل البريطاني: إنقاذ طارئ أم رعاية مستمرة؟
أخطر ما ورد في تسريبات الحموي كان حديثه عن تدخل بريطاني سريع، انطلق من قاعدة التنف، لمنع انهيار الوضع داخل القصر.
هذا الاتهام يعيد فتح ملف العلاقة غير المعلنة بين الجولاني وبريطانيا، ويضع علامات استفهام حول طبيعة الدعم الذي يتلقاه الرجل، الذي انتقل من زعيم لتنظيم القاعدة إلى واجهة سلطة انتقالية.
التدخل، إن صح، لا يمكن فصله عن مسار طويل من محاولات "إعادة تدوير" الجولاني سياسيًا، ضمن مشاريع غربية لإعادة تشكيل المشهد السوري بأدوات محلية ذات ماضٍ دموي، جرى تلميعها تدريجيًا تحت عناوين “التحول” و”البراغماتية السياسية”.
الظهور المُرتّب: فيديو التسوق كأداة نفي سياسي
بعد أيام من الغموض، ظهر أحمد الشرع في مقطع مصوّر وهو يتسوّق داخل أحد المحال التجارية في دمشق، في مشهد بدا أقرب إلى رسالة سياسية منه إلى نشاط اعتيادي. الفيديو، الذي بثته القناة السورية الرسمية، استخدم كأداة نفي بصري لما سُمي “شائعات”، في وقت سارعت فيه وزارة الداخلية إلى نفي وقوع أي حدث أمني “جملة وتفصيلًا”.
غير أن هذا الظهور لم يُنهِ الجدل، بل زاده تعقيدًا. فالتوقيت، والإخراج، والتركيز على استخدام “العملة السورية الجديدة”، كلها عناصر تشير إلى محاولة إعادة ضبط الصورة العامة، لا إلى تقديم رواية شفافة عمّا جرى. وهو ما يعزز فرضية التغطية الرسمية على حادث أمني لم يُرَد له أن يخرج إلى العلن.
ما جرى في القصر الجمهوري، وما تلاه من نفي وظهور إعلامي مُلفّق، يكشفان هشاشة سلطة انتقالية يقودها رجل لم يقطع فعليًا مع ماضيه الإرهابي، بل جرى تدويره بدعم خارجي. وبين تسريبات الداخل، وتدخلات الخارج، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن بناء دولة مستقرة على رأس هرمها شخصية صُنعت في غرف المخابرات بعد أن خرجت من كهوف التطرف؟
بريطانيا والجولاني: من إعادة التأهيل إلى هندسة السلطة
العلاقة بين الجولاني وبريطانيا لم تعد مجرد تكهنات، السفير الأمريكي السابق في سوريا، روبرت فورد، كشف علنًا عن دور مؤسسة بريطانية غير حكومية في محاولة "إعادة تأهيل" الشرع سياسيًا منذ عام 2023.
السفير الأمريكي السابق في سوريا، روبرت فورد، أثار جدلاً واسعاً بعد أن كشف في محاضرة نشرت على يوتيوب، عن لقاء جمعه بأحمد الشرع، الرئيس السوري الانتقالي، في إطار محاولة غير معلنة لتحويله من عالم الإرهاب إلى عالم السياسة.
وأوضح فورد أن مؤسسة بريطانية غير حكومية متخصصة في حل الصراعات دعته عام 2023 للمساعدة في عملية إعادة تأهيل الشرع. وأثار هذا الكشف ردود فعل متباينة، ولم يصدر حتى الآن أي بيان رسمي من الرئاسة السورية حول تصريحات فورد.
هذا المسار، الذي جرى بعيدًا عن أي مساءلة، يعكس توجهًا غربيًا لتبييض سجل شخصيات متطرفة، وإعادة تقديمها كبدائل سياسية.
تعزز هذا الدور بظهور الناشطة البريطانية-السورية رزان صفور ضمن الدائرة الضيقة للشرع، ومرافقتها له في زيارات رسمية إلى السعودية ومؤتمر ميونيخ للأمن، إذ ان وجودها لم يكن تفصيلاً بروتوكوليًا، بل مؤشرًا على حضور بريطاني ناعم داخل بنية الحكم الجديدة، يسعى لتوجيه المسار السياسي بما يخدم مصالحه.
وعندما زار أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني) المملكة العربية السعودية للقاء ولي العهد محمد بن سلمان في شباط/ فبراير الماضي، كان برفقته رزان صفور، ناشطة بريطانية- سورية تبلغ من العمر 32 عامًا ولم تطأ قدماها سوريا قبل سقوط حكومة الأسد في كانون الأول/ ديسمبر.
انضمت صفور أيضًا إلى وزير الخارجية أسعد الشيباني في رحلته إلى مؤتمر الأمن في ميونيخ في نفس الشهر. يبرز وجود صفور في دائرة الحكم الجديدة بسوريا الدور الكبير لبريطانيا في تشكيل النزاع الذي ساهم في وصول "القاعدة" إلى السلطة وتلميع صورتها القيادية، وكذلك زرع عناصر بريطانية ضمن بنيتها السياسية.
وجود صفور إلى جانب الجولاني في الزيارات الرسمية لا يدل فقط على صعودها الشخصي، بل يعكس أيضاً انتصار الحرب الطويلة التي خاضتها بريطانيا لتبييض صورة القوى المتطرفة من خلال وكلاء تم تهيئتهم في الغرب.
