كشف ملايين وثائق "إبستين" يعيد الجدل حول النفوذ السياسي والعدالة الأمريكية المتعثرة
شبكة نفوذ مظلمة عالمية
انفوبلس ..
أعاد الكشف عن الدفعة الأضخم من ملفات جيفري إبستين، والتي نشرتها وزارة العدل الأمريكية أواخر يناير 2026، فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في التاريخ الأمريكي الحديث.
وبين ملايين الوثائق والمراسلات والصور والمقاطع المصورة، تتداخل السياسة بالاستخبارات، والفضائح الأخلاقية بالصراعات الدولية، ما يطرح تساؤلات جدية حول توقيت النشر، وحدود الشفافية، والرسائل غير المعلنة التي قد تقف خلف فتح هذا الأرشيف الثقيل للرأي العام.
لماذا الآن؟ أسئلة التوقيت والرسائل الخفية
منذ يوم الجمعة الماضي، تصدر اسم جيفري إبستين منصات التواصل الاجتماعي عالمياً، عقب إعلان وزارة العدل الأمريكية نشر ملفات جديدة تتعلق بالقضية، تضم أكثر من ثلاثة ملايين صفحة، إلى جانب نحو ألفي مقطع فيديو و180 ألف صورة.
هذا الحجم غير المسبوق من الوثائق أعاد الجدل بقوة، ليس فقط حول مضمون الملفات، بل حول توقيت نشرها في هذه اللحظة السياسية الحساسة.
وتساءل ناشطون ومحللون عن أسباب فتح هذا الأرشيف الآن، بعد سنوات من وفاة إبستين في زنزانته عام 2019، معتبرين أن القضية لم تعد جنائية فقط، بل تحولت إلى ورقة ضغط سياسية وإعلامية.
وذهب بعضهم إلى وصف هذه الملفات بأنها من “كنوز” أجهزة استخبارات كبرى، على رأسها الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية، متسائلين عن دوافع إتاحتها للرأي العام دفعة واحدة.
روايات صادمة ومقاطع مثيرة للجدل
أحد أكثر المقاطع تداولاً عقب نشر الملفات يعود إلى عام 2009، لعارضة أزياء مكسيكية تُدعى غابرييلا ريكو خيمينيز، ظهرت فيه بحالة انهيار نفسي داخل فندق فاخر في مدينة مونتيري. الفيديو، الذي اختفت صاحبته لاحقاً دون معلومات واضحة عن مصيرها، عاد إلى الواجهة مع تداول وثائق تزعم وجود ممارسات غامضة وطقوس غير قانونية داخل دوائر مغلقة للنخبة.
وتضمنت بعض الوثائق رسائل بريد إلكتروني من شهود تحدثوا عن مشاهد عنف وانتهاكات جسيمة خلال مناسبات خاصة، ورد أنها جرت على متن يخوت أو في أماكن معزولة.
هذه الروايات، التي يصعب التحقق من تفاصيلها بشكل مستقل، أثارت صدمة واسعة، لكنها في الوقت ذاته فتحت باب التساؤل حول مصداقيتها، وحدود استخدامها في معارك الرأي العام.
شخصيات نافذة تحت المجهر
الملفات الجديدة أعادت تسليط الضوء على أسماء بارزة ورد ذكرها في سياق القضية، من بينها شخصيات سياسية وملكية معروفة. فقد تحدثت وثائق عن تورط مزعوم للأمير البريطاني أندرو في وقائع تعذيب واستغلال، ضمن شبكة كانت تديرها غيسلين ماكسويل، التي وُصفت بأنها حلقة الوصل بين إبستين والضحايا.
كما ورد ذكر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في عدد من الوثائق، من خلال اتهامات تتعلق بحفلات خاصة أُقيمت في ممتلكات تابعة له، وتكشف هذه المعطيات حجم التشابك بين المال والنفوذ والسياسة، وتطرح أسئلة حول قدرة العدالة على الوصول إلى شخصيات محصنة بالقوة والموقع.
مراسلات سياسية وعلاقات خلف الكواليس
إلى جانب الفضائح الأخلاقية، أظهرت الوثائق بعداً سياسياً واضحاً في قضية إبستين. إذ كشفت عن تبادل مئات الرسائل النصية الودية بين إبستين وستيف بانون، المستشار السابق للرئيس ترمب، ناقشت مواضيع تتعلق بالسفر والسياسة، إضافة إلى مشروع فيلم وثائقي قيل إنه كان يهدف إلى تحسين صورة إبستين قبل وفاته.
كما وردت إشارات إلى شخصيات دولية أخرى، من بينها مسؤولون سابقون وزعماء عالميون، ما يعزز فرضية أن القضية لم تكن مجرد شبكة استغلال معزولة، بل منظومة علاقات واسعة تمتد عبر السياسة والاقتصاد والإعلام، وهو ما يفسر استمرار حساسية الملف حتى اليوم.
غضب الضحايا وحدود العدالة
في مقابل هذا الكم الهائل من الوثائق، عبّرت مجموعة من ضحايا إبستين عن استيائها من الطريقة التي جرى بها النشر، معتبرة أن الكشف ركّز مجدداً على تفاصيل تخص الضحايا، بينما بقيت أسماء المتورطين الأساسيين محجوبة أو غير محسومة قانونياً.
وأكد بيان مشترك لعدد من الضحايا أن الوثائق الحالية “لا تكفي لمحاسبة جميع الشركاء في الجريمة".
وأضاف البيان أن القضية لم تنته بعد، وأن النضال سيستمر إلى أن يُكشف الغطاء بالكامل عن كل من تورط أو سهّل أو تستر.
وبينما تتوالى ردود الفعل، يبقى ملف إبستين مفتوحاً على احتمالات متعددة، تتجاوز حدود الجريمة الجنائية إلى صلب الصراعات السياسية الدولية، حيث تتحول الفضائح إلى أدوات ضغط، وتظل الحقيقة الكاملة رهينة ميزان القوة.
الثروة الغامضة وشبكة النفوذ
جيفري إدوارد إبستين هو ممول أمريكي وُلد عام 1953 في نيويورك، وبرز اسمه في الأوساط المالية والسياسية رغم الغموض الذي أحاط بمصادر ثروته وطبيعة نشاطه الحقيقي. بدأ مسيرته المهنية مدرسًا قبل أن ينتقل سريعًا إلى عالم المال، حيث أسس لاحقًا شركة لإدارة الثروات كانت تخدم عددًا محدودًا من أصحاب المليارات، في نموذج غير تقليدي أثار تساؤلات واسعة حول دوره وحدود نفوذه.
تمكن إبستين، خلال سنوات صعوده، من بناء شبكة علاقات معقدة ضمت سياسيين أمريكيين، ورجال أعمال دوليين، وأكاديميين، وشخصيات ملكية، ما منحه حضورًا لافتًا داخل دوائر النخبة. هذه الشبكة لعبت دورًا محوريًا في حمايته لسنوات، خصوصًا بعد أولى القضايا التي واجهها عام 2008 في ولاية فلوريدا، حين وُجهت إليه اتهامات باستغلال قاصرات، قبل أن تنتهي القضية بتسوية قانونية مخففة أثارت جدلًا واسعًا حول تدخل النفوذ السياسي والمالي في مسار العدالة.
عاد الملف إلى الواجهة بقوة عام 2019، عندما ألقت السلطات الفيدرالية القبض على إبستين مجددًا بتهم الاتجار الجنسي واستغلال القاصرات ضمن شبكة منظمة عابرة للولايات، غير أن القضية دخلت منعطفًا حاسمًا بعد العثور عليه ميتًا داخل زنزانته في أحد سجون نيويورك، في حادثة أعلنت رسميًا كانتتحار، لكنها فتحت الباب أمام موجة شكوك واسعة.
ومنذ وفاته، تحولت قضية إبستين إلى رمز عالمي لتشابك الجريمة بالنفوذ، ومع كل دفعة وثائق جديدة، يتجدد الجدل حول حجم الشبكة التي كان يديرها، وحدود ما كُشف، وما بقي مخفيًا خلف جدران السياسة والاستخبارات.
