بين قدسية الشهادة وضجيج المنصات.. حفلات التخرج في الجامعات العراقية على مفترق المعنى والهيبة
انفوبلس/ تقارير
لم تعد حفلات التخرج في عدد من الجامعات العراقية مجرّد محطة رمزية تُتوَّج فيها سنوات من الجهد العلمي، بل تحولت في حالات متزايدة إلى مشاهد جدلية تثير انقسامًا واسعًا في الرأي العام بين من يراها فرحة مشروعة لجيل أنهكته الظروف، ومن يعدّها انزلاقًا عن الجوهر الأكاديمي، وبين الرأيين تتكشّف أسئلة عميقة حول دور الجامعة وحدود الحرية وهيبة الشهادة في زمن المنصات الرقمية.
طقس أكاديمي أم عرض استعراضي؟
على مدى عقود، شكّلت حفلات التخرج في الجامعات العراقية لحظة فارقة في حياة الطالب، تتويجًا لمسار طويل من الدراسة والانضباط، ومناسبة تختزن رمزية علمية واجتماعية عالية، غير أن هذا الطقس الأكاديمي بدأ، في السنوات الأخيرة، يفقد شيئًا من ملامحه التقليدية، مع تحوّل بعض الاحتفالات إلى عروض صاخبة تتقدّم فيها الموسيقى والرقص على حساب المعنى العلمي للتخرج.
مشاهد كثيرة جرى توثيقها وتداولها على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، أظهرت منصات التخرج وقد تحولت إلى مسارح استعراضية، يتنافس فيها بعض الطلبة على لفت الانتباه، بينما تتراجع رمزية الشهادة وصورة المؤسسة التعليمية إلى الخلف.
هذا التحول أثار موجة من التساؤلات: هل ما يحدث تعبير طبيعي عن فرح جيل شاب بإنجازه؟ أم أنه نتاج فراغ تنظيمي وثقافي سمح بانحراف المناسبة عن مسارها الأكاديمي؟
في إحدى كليات الآداب – قسم اللغة الإنجليزية، يروي أحمد علي تفاصيل يوم تخرّج يصفه بـ“الصادم”.
ويقول علي إنه وقف أمام منصة الاحتفال مترقبًا لحظة يفترض أن تكون ذروة الاعتزاز العلمي، قبل أن يفاجأ بتحول المنصة إلى ما يشبه حلبة استعراض، رقص جماعي، هواتف مرفوعة للتصوير، وتصفيق متباين من الحضور، في مشهد اختزل – بحسب وصفه – سنوات من الجهد والسهر في لحظات صاخبة بلا معنى.
يستعيد علي إحساسه بالحرج، خصوصًا مع وجود أولياء أمور، بعضهم حاول مجاراة المشهد بالتصفيق والابتسام، فيما كان التناقض صارخًا بين ما تعلّمه الطلبة عن الرصانة والمسؤولية الأكاديمية، وبين ما يجري أمامهم. وبالنسبة له لم يعد الأمر مجرّد فرح عابر، بل تحوّل إلى استعراض يضع المؤسسة التعليمية في موضع مساءلة علنية، ويطرح تساؤلًا جديًا عن دور الإدارات الجامعية في حماية رمزية التخرج.
السياق النفسي والاجتماعي للظاهرة
في قراءة تحليلية للمشهد، يحذّر الدكتور أحمد ضياء، الأستاذ الجامعي والناقد الأكاديمي، من التعامل مع هذه الظاهرة بوصفها انحرافًا أخلاقيًا عامًا، من دون فهم السياق النفسي والاجتماعي الذي وُلدت فيه.
وبرأي ضياء، فإن لحظة التخرج تمثل حالة استثنائية، تتراكم فيها مشاعر التوتر والفرح والضغط النفسي، ما قد يدفع بعض الطلبة إلى تصرفات اندفاعية لا تعكس بالضرورة سلوكهم اليومي أو منظومتهم القيمية.
ويطرح ضياء أسئلة يراها جوهرية: هل يمكن محاسبة سلوك فردي نشأ في لحظة فرح استثنائية كما لو كان فعلًا اعتياديًا؟ وهل بات الشارع الرقمي، المدفوع بمنصات التواصل الاجتماعي، سلطةً تحاكم كل تصرف خارج معاييره؟ ثم هل ما حدث يعبّر فعلًا عن جيل كامل، أم عن حالات فردية جرى تعميمها وتحويلها إلى “ترند”؟
وبحسب ضياء، فإن كثيرًا من الطلبة الذين ظهروا في تلك المشاهد، لو وُضعوا خارج سياق الاحتفال وضغط الكاميرا، لما أقدموا على السلوك ذاته، بفعل ما يحكمهم من قيم اجتماعية راسخة كالحشمة والخجل. لكنه في الوقت نفسه لا ينكر أن نقل هذه الأفعال إلى الفضاء العام، وتسويقها رقميًا، يحوّلها من ممارسة شخصية إلى قضية اجتماعية مفتوحة على التأويل والنقد.
ويشير إلى أن تضخيم هذه الحالات يعكس، في جانب منه، فراغًا عامًا يدفع الأفراد إلى تبنّي مواقف متطرفة، والسعي إلى فرض رؤاهم عبر المنصات الرقمية، وهو ما يخلق حالة من الاستقطاب تفوق في خطورتها الفعل الأصلي ذاته.
ومع ذلك، يؤكد ضياء أن المؤسسة الأكاديمية، بطبيعتها القائمة على الانضباط والرمزية العلمية، لا يمكنها أن تتماهى مع هذه المشاهد، وهو ما يفسر سعيها إلى الفصل بين الطقوس الاحتفالية والفضاء الجامعي، حفاظًا على ما تبقى من المعنى الأكاديمي للتخرج.
بين المسؤولية الفردية وفكرة الانهيار الرمزي
على الضفة الأخرى من النقاش، يقدّم الصحفي والناشط المدني حسين الجبوري مقاربة أكثر حدة، معتبرًا أن ما جرى في بعض حفلات التخرج لا يمكن تبريره بالسياق النفسي أو الاجتماعي وحده.
ومن وجهة نظره، فإن الانزلاق الذي ظهر في تلك المناسبات هو انعكاس مباشر لسلوك الطلبة أنفسهم، لا نتيجة تقصير إداري أو ضعف مؤسسي.
ويرى الجبوري أن تحويل التخرج من لحظة رمزية للاحتفاء بالنجاح الأكاديمي إلى استعراض صاخب، يحدث عندما يترك الطالب نفسه لمزاج اللحظة، بعيدًا عن أي التزام بالضوابط الاجتماعية أو الأكاديمية.
ويصف هذه المظاهر بأنها “مهزلة فردية” لا تعكس المؤسسة التعليمية بقدر ما تعكس خيارات المشاركين فيها، وسعيهم إلى الظهور والتداول على منصات التواصل.
ويضيف أن هذه السلوكيات تكشف عن فراغ ثقافي واجتماعي لدى بعض الطلبة، حيث تتقدّم الرغبة في لفت الانتباه على قيم الانضباط وتقدير الجهد العلمي.
من هذا المنطلق، يرفض الجبوري تحميل الجامعات كامل المسؤولية، معتبرًا أن التخرج، بوصفه طقسًا اجتماعيًا، يظل مرآة لوعي الطالب وثقافته الفردية قبل أن يكون انعكاسًا للهيكل المؤسسي.
بالنسبة له، ما حدث لا يمثل فشلًا مؤسسيًا بقدر ما هو إخفاق فردي في الحفاظ على الحد الأدنى من الرصانة، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول وعي جيل كامل بمعنى الإنجاز، وحدود الحرية، والمسؤولية الاجتماعية المرافقة لحمل الشهادة الجامعية.
الموقف الرسمي وإجراءات ضبط الإيقاع
في خضم هذا الجدل، تؤكد الجامعات العراقية ووزارة التعليم العالي وجود أطر وتعليمات واضحة تهدف إلى الحفاظ على رمزية التخرج وهيبة الحرم الجامعي.
وفي هذا السياق، تعمل اللجنة الوطنية الدائمة للتوعية والإرشاد المجتمعي في مكتب رئيس الوزراء على معالجة الآثار الاجتماعية التي بدأت تبرز نتيجة تداول بعض المقاطع المصورة لحفلات التخرج.
رئيس اللجنة، حيدر الساعدي، يشير إلى أن هذه المقاطع تتحول في كثير من الأحيان إلى “وثائق رقمية” قد ترافق الطالب لسنوات طويلة، وتسبب له مشكلات عائلية أو عشائرية أو حتى وظيفية، فضلًا عن خلق وصمة اجتماعية يصعب تجاوزها. ويؤكد أن وزارة التعليم العالي اتخذت إجراءات للحد من الاحتفاليات المبالغ بها داخل الحرم الجامعي، ما دفع بعض الكليات إلى نقل حفلات التخرج خارج أسوار الجامعة، رغم ما يرافق ذلك من تكاليف ومخاطر اجتماعية.
من جهته، يوضح الدكتور عمار طاهر، عميد كلية الإعلام، أن حفلات التخرج ليست مناسبات ترفيهية مفتوحة، بل طقس أكاديمي تحكمه ضوابط صارمة. ويؤكد أن التعليمات الوزارية تمنع أي مظاهر لا تنسجم مع حرمة الحرم الجامعي، مثل الحفلات التنكرية أو استخدام مكبرات الصوت وبث الأغاني غير اللائقة، مشددًا على أن المظاهر المعتمدة تقتصر على الصورة الجماعية والحفل المركزي المنظم.
ويضيف أن الكليات غير مسؤولة عن أي تصرفات تحدث خارج حدودها، لكنها تحتفظ بحقها في مساءلة أي طالب يسيء إلى سمعتها أو يخالف التعليمات، عبر لجان انضباطية مختصة.
أما المتحدث الرسمي باسم وزارة التعليم العالي، الدكتور حيدر العبودي، فيؤكد أن حفلات التخرج تمثل فعالية مؤسسية رسمية ذات طابع بروتوكولي، تُنظَّم وفق أعراف وتقاليد جامعية مقرّة، وتشمل طقوسًا محددة كإقرار تسمية الدورة، وأداء قسم التخرج، وتلاوة قرار منح الشهادة. ويشدد على أن أي ممارسات فردية خارجة عن هذا السياق لا تمثل الجامعات أو سياساتها الرسمية.
في المحصلة، يبدو الجدل حول حفلات التخرج مرآةً أوسع لتحولات اجتماعية وثقافية يعيشها المجتمع العراقي، حيث تتقاطع تطلعات جيل شاب مع سلطة المؤسسة، وتتصادم حرية التعبير مع قدسية الرمز الأكاديمي. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال مفتوحًا: كيف يمكن إعادة التوازن بين الفرح المشروع وهيبة الشهادة، في زمن لا يترك فيه شيء خارج عدسة الهاتف ومنصات التداول؟


