سرطان العراق يتسع جغرافياً ويُثقل كاهل العائلات.. دعوات لاستراتيجية وطنية عاجلة وسط تسجيل آلاف الإصابات الجديدة
انفوبلس/..
بالتزامن مع اليوم العالمي لمكافحة مرض السرطان، تتصاعد التحذيرات الرسمية والبرلمانية والطبية في العراق من الارتفاع المتسارع في معدلات الإصابة بالأمراض السرطانية، وسط أرقام متزايدة تُسجَّل سنويًا في عدد من المحافظات، لا سيما في المناطق المنتجة للنفط، مقابل تحديات كبيرة تواجه المنظومة الصحية في مجالات التشخيص والعلاج وتوفير الأدوية.
استراتيجية من 4 نقاط
ودعا النائب السابق علي اللامي، إلى اعتماد استراتيجية وطنية من أربع نقاط لمعالجة ما وصفه بـ"الارتفاع المقلق" في معدلات الإصابة بالأمراض السرطانية. مشيرًا إلى أن العراق يشهد خلال السنوات الأخيرة تصاعدًا لافتًا في أعداد الحالات الجديدة المسجلة سنويًا.
وقال اللامي، إن "معدلات الإصابة الجديدة بالأمراض السرطانية آخذة بالازدياد بوتيرة مرتفعة"، لافتًا إلى أن هذا الارتفاع يتركز بشكل خاص في سبع إلى ثماني محافظات، ولا سيما المحافظات المنتجة للنفط. وأضاف أن "حمى الإصابات السرطانية تتطلب اعتماد استراتيجية واضحة من أربع نقاط لمعالجتها بشكل جاد".
وأوضح أن أبرز محاور هذه الاستراتيجية تتمثل في "إنشاء مراكز متطورة لمعالجة الأمراض السرطانية"، إلى جانب "إيجاد حلول جذرية لأسباب الإصابات، ولا سيما ما يتعلق بالملفات البيئية وتلوث المياه"، فضلًا عن "تطوير قدرات الكوادر الطبية المختصة بعلاج الأورام، سواء في مجال العمليات الجراحية أو توفير الأدوية الحديثة".
وأكد اللامي أن مرض السرطان "يستنزف آلاف العوائل العراقية"، نظرًا لطول رحلة العلاج وكلفها المرتفعة، مشددًا على أن معدلات الإصابة قد تشهد ارتفاعات أكبر خلال السنوات المقبلة إذا لم تُعتمد حلول مبكرة واستباقية للحد من تفاقم الأزمة الصحية.
10,000 إصابة جديدة في كردستان
وفي إقليم كردستان، أعلنت وزارة الصحة تسجيل أكثر من عشرة آلاف إصابة جديدة بمرض السرطان خلال العام الماضي، في أرقام تعكس حجم الضغط على المراكز الصحية المتخصصة في الإقليم، ولا سيما مع استقبالها أعدادًا كبيرة من المرضى القادمين من محافظات أخرى.
وقال وزير الصحة في إقليم كردستان، سامان برزنجي، في مؤتمر صحفي عقده الأربعاء الموافق 4 شباط 2026، تزامنًا مع اليوم العالمي لمكافحة السرطان، إن "عدد الإصابات الجديدة المسجلة بمرض السرطان في الإقليم خلال عام 2025 بلغ 10 آلاف و481 حالة".
وأشار برزنجي إلى أن "35 بالمئة من المصابين هم مواطنون يقيمون خارج إقليم كردستان ويتلقون العلاج في مراكز السرطان داخل الإقليم"، ما يعكس اعتماد عدد من المحافظات على مستشفيات الإقليم في هذا المجال.
وبيّن الوزير أن وزارة الصحة في الإقليم "أنفقت نحو 130 مليار دينار خلال عام 2025 على الأدوية والمستلزمات الطبية الضرورية لعلاج مرض السرطان"، مشيرًا في الوقت ذاته إلى تقديم العلاج المجاني لـ596 حالة إصابة على نفقة صندوق التبرعات داخل المستشفيات الأهلية.
العوامل المؤثرة
وتطرق برزنجي إلى العوامل البيئية المؤثرة في ارتفاع معدلات الإصابة، موضحًا أن "التلوث البيئي، وانبعاث الأدخنة والغازات السامة من المصانع والمعامل، لهما تأثير مباشر في زيادة الإصابات"، مؤكدًا أن "حصر التلوث وخفض نسب الانبعاثات السامة يسهمان بشكل كبير في تقليل عدد الإصابات بشكل تدريجي".
ذي قار تعاني المحدودية
وفي محافظة ذي قار، أكد رئيس لجنة الصحة والبيئة في مجلس المحافظة، الدكتور أحمد غني الخفاجي، تسجيل أعداد كبيرة من مرضى السرطان خلال السنوات الماضية، في ظل محدودية الإمكانات الطبية وتزايد الحاجة إلى مراكز علاجية متخصصة.
وقال الخفاجي، إن المحافظة "سجلت أكثر من عشرة آلاف إصابة بالأمراض السرطانية خلال المدة من عام 2010 وحتى عام 2025"، بحسب البيانات الإحصائية المسجلة في مركز الأورام السرطانية.
وأوضح أن مركز الأورام الواقع ضمن مستشفى الحبوبي "لا يتسع للأعداد المتزايدة من المصابين"، فضلًا عن "افتقاره إلى الأجهزة المتخصصة بتشخيص الأورام السرطانية المتقدمة"، مشيرًا في الوقت ذاته إلى "شح كبير في الأدوية الخاصة بعلاج مرضى السرطان".
وبيّن الخفاجي أن وزارة الصحة "تعجز عن توفير كميات كافية من الأدوية اللازمة بسبب تزايد أعداد المصابين"، إضافة إلى عجز دائرة صحة ذي قار عن توفير تلك الأدوية من الأسواق المحلية "نتيجة عدم توفر السيولة المالية الكافية لشرائها بشكل مباشر"، فضلًا عن "عدم توفر بعض الأنواع ذات المناشئ الرصينة والمعروفة في الصيدليات المحلية".
وأعرب رئيس لجنة الصحة والبيئة عن أمله في استكمال مشروع مستشفى الأورام السرطانية في المحافظة، الذي لا يزال قيد الإنشاء على نفقة شركة نفط ذي قار، موضحًا أن نسبة الإنجاز في المشروع بلغت نحو 85 في المئة. ورجّح أن يسهم المستشفى، بعد اكتماله وتجهيزه بالأجهزة الطبية المطلوبة، في "تحسين مستوى الرعاية الصحية لمرضى السرطان، وتقليل الحاجة إلى سفرهم للتشخيص أو العلاج خارج المحافظة أو خارج البلاد".
وعن أسباب ارتفاع معدلات الإصابة، أشار الخفاجي إلى أن الأمراض السرطانية "تعود إلى أسباب متعددة"، من بينها تعرض المحافظة إلى ضربات حربية سابقة استخدمت فيها "أسلحة محرمة دوليًا تحمل إشعاعات خطيرة"
وأضاف أن مركز الوقاية من الإشعاع باشر منذ أكثر من خمس سنوات بإجراء كشوفات ومسوح ميدانية في مختلف مناطق المحافظة، قبل أن يُعلن في عام 2024 خلو ذي قار من أي نشاط إشعاعي.
ولفت إلى إنشاء مقبر خاص لطمر المواد المشعة والمخلفات الحربية الملوثة بالإشعاع في منطقة صليبيات الصحراوية، وفق مواصفات بيئية عالمية.
وتطرق الخفاجي إلى أسباب بيئية أخرى، أبرزها "تلوث مصادر المياه نتيجة رمي المياه الثقيلة في مجاري الأنهار"، مشيرًا إلى صعوبة السيطرة على هذا الملف "لكونه يتعلق بمحافظات أخرى تقوم برمي ملوثاتها في الأنهار الواصلة إلى ذي قار".
وأكد في المقابل اعتماد معالجات محلية لمياه المجاري عبر محطات معالجة خاصة تسهم في الحد من تلوث المياه.
كما أشار إلى تلوث الهواء الناتج عن حرق النفايات في مواقع الطمر الصحي، إضافة إلى تأثيرات النشاط النفطي، مبينًا وجود معالجات وخطط مستقبلية للحد من هذه الملوثات.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تتزايد فيه الدعوات الرسمية والطبية إلى التعامل مع ملف الأمراض السرطانية بوصفه أحد أبرز التحديات الصحية في البلاد، وسط مطالب بتعزيز البنية التحتية للمراكز التخصصية، وتوفير الأدوية الحديثة، وتوسيع برامج الكشف المبكر، إلى جانب تشديد الرقابة البيئية في المناطق الصناعية والنفطية.
