"سيطرة الصفرة" تعود من بوابة المعابر غير الرسمية.. بغداد تشدد الطوق الكمركي على إقليم كردستان
انفوبلس/ تقارير
بعد سنوات من الغياب والجدل، يعود اسم "سيطرة الصفرة" إلى واجهة النقاش الاقتصادي والسيادي في العراق بوصفه رمزًا لمرحلة حاولت فيها الدولة استعادة بعض هيبتها على المنافذ والمعابر. اليوم ومع تصاعد الحديث عن معابر غير رسمية تستنزف الخزينة وتُغرق الأسواق، تبدو بغداد أمام اختبار جديد لفرض رقابة مزدوجة على بضائع إقليم كردستان، في محاولة لوقف نزيف المليارات والتريليونات التي تتبخر سنويًا خارج الحسابات الرسمية.
معابر الظل تعيد "سيطرة الصفرة" إلى الواجهة
لم يعد اسم "سيطرة الصفرة" مجرّد ذكرى ارتبطت في أذهان العراقيين بالجباية والجدل والصراعات المحلية، بل عاد اليوم بوصفه عنوانًا لإجراء حكومي يهدف إلى تشديد الرقابة على المعابر غير الرسمية في إقليم كردستان والتي لا تُسلَّم وارداتها إلى حكومة بغداد.
فبحسب التوجّه الجديد، ستخضع البضائع الداخلة من الإقليم ولا سيما القادمة من تركيا لإجراءات كمركية مزدوجة الأولى عند منافذ الإقليم والثانية عبر سيطرات اتحادية أبرزها سيطرة الصفرة شمال شرق ديالى، فضلًا عن سيطرات أخرى مماثلة.
هذا القرار يعني عمليًا أن البضائع العابرة من الإقليم إلى بقية المحافظات ستصبح أعلى كلفة، وهو ما يراه مراقبون خطوة ضرورية لإغلاق منافذ التهرّب وخنق شبكات الاستيراد غير النظامي.
ويؤكد هؤلاء أن عودة سيطرة الصفرة إذا ما اقترنت بمتابعة حقيقية وقوة تنفيذية واضحة، يمكن أن تسهم في زيادة إيرادات الدولة بشكل ملموس، لافتين إلى أن هذه السيطرة كانت ترفد الخزينة سابقًا بأكثر من 400 مليار دينار سنويًا، قبل أن تتحول إلى بؤرة صراع ونفوذ.
جلسة البرلمان.. كشف حساب لمعابر خارج السيطرة
التحوّل الأبرز في هذا الملف جاء خلال جلسة الاستضافة الأخيرة لرئيس هيئة المنافذ الحدودية في مجلس النواب، والتي وُصفت بأنها لحظة كشف حساب لمعابر ظلّ وجودها محاطًا بالضبابية لسنوات.
ففي تلك الجلسة، كُشف بالأرقام عن وجود أكثر من 20 منفذًا غير رسمي لا سيما في إقليم كردستان وعلى وجه الخصوص مع سوريا تعمل خارج سلطة بغداد وتحوّلت إلى بوابات مفتوحة لعمليات تهريب واسعة.
هذه المعابر وفق ما طُرح في الجلسة لا تمثل ثغرة مالية فحسب، بل تشكّل خرقًا مباشرًا للضوابط المعتمدة في ملف الاستيراد إذ تمرّ عبرها مواد تخالف "الرزنامة الحمراء" التي وضعتها الحكومة المركزية لحماية المنتجين الزراعيين والصناعيين المحليين، فضلًا عن سلع محظورة لأسباب أمنية واقتصادية وصحية تدخل إلى الأسواق من خلف ظهر الدولة وبعيدًا عن أعين أجهزتها الرقابية.
ملف معروف لكن بلا حسم
عضو مركز التنمية عدنان محمد التميمي أوضح أن ما كُشف في جلسة الاستضافة لا يحمل مفاجآت حقيقية، لأن هذا الملف معروف لدى الطبقة السياسية منذ سنوات طويلة وقد أُثير مرارًا في دورات نيابية سابقة بالأرقام والأدلة إلا أن بقاءه من دون حسم يعكس غياب الإرادة السياسية أكثر مما يعكس نقص المعلومات.
ويضيف التميمي في حديث له تابعته شبكة انفوبلس، أن وجود معابر غير خاضعة للسيطرة المركزية يعني عمليًا استنزافًا مباشرًا لقدرات البلاد المالية، إذ تدخل من خلالها كميات كبيرة من المواد، بعضها محظور رسميًا.
وهذا الواقع يطرح علامات استفهام كبيرة حول أسباب عدم تعاون أربيل مع بغداد في ملف يعدّ من أكثر الملفات حساسية، مؤكدًا أن الخسائر لا تُقاس بمبالغ بسيطة، بل بمئات المليارات سنويًا، ما يجعل القضية سياسية بامتياز، ويمكن حسمها خلال أقل من 48 ساعة إذا ما توفرت الإرادة الحقيقية.
أرقام الخسائر.. من المليارات إلى التريليونات
على مستوى الأرقام، تشير تقديرات برلمانية واقتصادية إلى أن عدد المعابر والمنافذ غير الرسمية في إقليم كردستان وحده قد يتجاوز 20 منفذًا، فيما تتحدث بعض الوثائق عن أرقام أعلى.
أما الخسائر الناجمة عن عدم خضوع هذه المعابر لسلطة بغداد، فتقدَّر بعشرات التريليونات من الدنانير سنويًا، نتيجة التهرّب من الرسوم الجمركية والضرائب، وتهريب البضائع والمحروقات، والالتفاف على الرزنامة الحمراء.
عضو الحزب الشيوعي صالح رشيد يرى أن وجود هذا العدد الكبير من المعابر غير الرسمية يمثّل نزيفًا مفتوحًا للاقتصاد العراقي، متسائلًا عن أسباب عدم إخضاع هذه المنافذ للإدارة المركزية وفق تعليمات واضحة تمنع التهريب وتحمي المال العام.
ويشير رشيد إلى أن خطورة الملف لا تقتصر على الهدر المالي فقط، بل تمتد إلى دخول مواد ممنوعة قد تؤثر بشكل مباشر في الأمن المجتمعي والصحي، لافتًا إلى أن حجم الخسائر قد يصل إلى 10 تريليونات دينار سنويًا على أقل تقدير.
مفارقة الإيرادات.. حين تنجح الرقابة وتفشل السياسة
في مقابل هذا النزيف، تظهر بيانات هيئة المنافذ الحدودية أن تشديد الرقابة في المنافذ الرسمية، واعتماد الأتمتة، ونشر السيطرات الجمركية قرب حدود محافظات الإقليم، أسهم في رفع الإيرادات إلى مستويات غير مسبوقة خلال الأعوام الأخيرة.
هذه المفارقة تعزّز الانطباع بأن ما يضيع عبر معابر الظل قد يفوق ما تحققه الدولة من المنافذ الرسمية نفسها، وأن المشكلة ليست تقنية بقدر ما هي سياسية وإدارية.
تفتح هذه الوقائع الباب أمام سؤال جوهري: من يملك السيطرة الفعلية على الحدود العراقية؟ ففي الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة الاتحادية أن إدارة المنافذ الحدودية صلاحية سيادية خالصة لها، تكشف الوقائع عن وجود طبقات متداخلة من النفوذ.
هناك منافذ رسمية خاضعة لهيئة المنافذ والجمارك والأجهزة الأمنية الاتحادية، لكنها تواجه اتهامات دائمة بوجود نفوذ حزبي وفصائلي ولجان اقتصادية تتدخل في حركة البضائع والرسوم. وهناك منافذ رسمية داخل إقليم كردستان، تعدّها بغداد جزءًا من المنظومة الاتحادية، لكنها تُدار عمليًا وفق سياسات أربيل المالية والجمركية، مع خلافات مستمرة حول توحيد الرسوم والتعليمات.
وإلى جانب ذلك، توجد معابر غير رسمية بالكامل، تشكّل "جغرافيا موازية" تتحرك فيها الشاحنات عبر طرق ترابية وجبلية، بعيدًا عن سلطة الحكومة الاتحادية وتحت أنظار شبكات تهريب متجذّرة.
تهديد مباشر للمنتج الوطني والأمن المجتمعي
الخسائر الناجمة عن هذه المعابر لا تتوقف عند تآكل الإيرادات، بل تمتد إلى ضرب سياسات حماية المنتج المحلي. فإغراق الأسواق بمنتجات مستوردة تخالف الرزنامة الزراعية والصناعية يعني منافسة غير متكافئة للفلاحين والصناعيين العراقيين، وتحويل الحدود من أداة لتنظيم التبادل التجاري إلى ممر لخرق السياسات الاقتصادية.
كما أن إدخال بضائع محظورة لأسباب صحية أو أمنية، من أدوية غير خاضعة للفحص إلى مواد استهلاكية مجهولة المصدر، يفتح الباب أمام نتائج خطيرة، من انتشار أمراض إلى تقويض ثقة المواطن بقدرة الدولة على حماية أبسط شروط السلامة.
وبهذا الشأن، يؤكد عضو الإطار التنسيقي عدي عبد الهادي وجود جدية حقيقية لدى قوى الإطار في أن تتعامل الحكومة المقبلة مع ملف المعابر غير الرسمية في إقليم كردستان بوصفه أولوية وطنية.
ويشير عبد الهادي إلى أن الأزمة المالية الراهنة تفرض وضع خارطة طريق واضحة لمعالجة هذا الملف، مؤكدًا أن هذه المعابر لا تشكّل خطرًا ماليًا فحسب، بل قد تكون لها ارتدادات أخطر تمس الأمن والاستقرار الاجتماعي.
سيطرة الصفرة.. بين الماضي والحاضر
اقتصاديون يتوقعون أن الفارق في الرسوم بين منافذ الإقليم والمنافذ الاتحادية، ولا سيما بعد تشديد الأتمتة والرقابة في الموانئ والمنافذ الجنوبية، سيدفع تدريجيًا نحو عودة نموذج «سيطرة الصفرة».
هذه السيطرة كانت في السابق نقطة عبور لنحو 9500 شاحنة يوميًا، بإيرادات نظرية تتجاوز 200 مليون دينار يوميًا، قبل أن تتحول إلى رمز للجباية الحزبية والصراعات المحلية، ما دفع حكومة حيدر العبادي إلى إلغائها رسميًا، رغم تقارير تحدثت عن استمرار الاستحصال غير الرسمي بعدها.
في المحصلة، لم يعد ملف معابر الظل قضية فنية تخصّ الجمارك فحسب، بل اختبارًا مباشرًا لقدرة الدولة على فرض سيادتها الاقتصادية والإدارية. وبين من يلوّح بإمكانية الحسم السريع، ومن يحذّر من تشابك المصالح والسلاح والاقتصاد الموازي، يبقى النزيف المالي مستمرًا، ويبقى فتح هذا الملف بشفافية وقرار سياسي صارم شرطًا أساسيًا لأي إصلاح مالي حقيقي في العراق.


