بغداد تستنفر طاقاتها للزيارة الرجبية: خطط "ذكية" بلا قطوعات واستنفار خدمي شامل
انفوبلس/ تقرير
تُعد ذكرى استشهاد الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) في الخامس والعشرين من شهر رجب، واحدة من أضخم المناسبات الدينية والاجتماعية التي تشهدها العاصمة بغداد، حيث تتحول المدينة إلى مسار بشري هائل يتدفق من كل حدب وصوب نحو القباب الذهبية في مدينة الكاظمية المقدسة. ومع حلول عام 2026، وضعت الحكومة العراقية والجهات الساندة خطة استثنائية تجمع بين الحداثة التنظيمية والمرونة الأمنية لضمان سلامة الملايين.
وفي خطوة استباقية لتخفيف الزخم المروري ومنح المرونة للقطاعات الخدمية، قرر مجلس الوزراء تعطيل الدوام الرسمي في بغداد ليوم الخميس، الموافق 15 كانون الثاني 2026.
الاستراتيجية الأمنية.. أمن ذكي بلا قيود
عقد محافظ بغداد، عطوان العطواني، الاجتماع الأول للتحضير للزيارة الرجبية بحضور القيادات الأمنية والخدمية، مؤكداً استكمال الخطط اللوجستية لضمان انسيابية حركة الزائرين. وأوضح المحافظ أن الخطة الأمنية ستعتمد على الجهد الاستخباراتي، مع الابتعاد عن المظاهر المسلحة، حيث سيتم إخضاع 50 محوراً لعمليات تفتيش دقيقة لتأمين المسارات.
وأكد العطواني في مؤتمر صحفي، أن الخطة الأمنية ستعتمد بشكل أساسي على الجهد الاستخباراتي والابتعاد عن المظاهر المسلحة، كاشفاً عن إخضاع 50 محوراً لعمليات تفتيش دقيقة لتأمين المسارات وتوفير بيئة آمنة للوافدين صوب مدينة الكاظمية المقدسة.
وأوضح المحافظ أن الزيارة ستشهد استنفاراً صحياً وخدمياً واسعاً، يتضمن نشر مفارز طبية متكاملة على كافة الطرق التي يسلكها الزائرون، وتعزيز الدور الخدمي للمواكب المنتشرة وتقديم الرعاية اللازمة لهم.
وفي ملف النقل، طمأن العطواني أهالي العاصمة بأنه لا توجد قطوعات للطرق حتى الآن، مشيراً إلى تنظيم "خطوط ومسارات" محددة، بعضها للمشاة وأخرى لعجلات النقل. كما أكد أن الاجتماع ركز بشكل مكثف على خطة "التفويج العكسي" لضمان عودة المواطنين إلى مناطقهم بيسر وأريحية بعد انتهاء مراسم الزيارة.
واختتم المحافظ تصريحه بدعوة أصحاب المواكب الحسينية إلى الالتزام بالتعليمات التنظيمية، وعدم نصب السرادق في حوض الشارع أو الجزرات الوسطية، لضمان استمرار حركة المرور وتسهيل انسيابية مشي الزائرين وعمل عجلات الطوارئ والبلدية.
في المقابل، أكد قائد عمليات بغداد، الفريق الركن وليد التميمي، أن الخطة الأمنية هذا العام "تعتمد على المعلومة قبل القوة". كما تم استنفار كافة الوكالات الاستخبارية لمراقبة وتأمين المسارات دون الحاجة إلى عسكرة المدن، وتهدف الخطة إلى حماية الزائرين مع الحفاظ على انسيابية حياة المواطنين غير المشاركين في الزيارة.
وقال التميمي، في مؤتمر صحفي عقد بمقر محافظة بغداد، إن خطة الزيارة تعتمد بشكل كبير على الجهد الاستخباري، ومنع أي مظاهر مسلحة، إضافة إلى مشاركة جميع القطعات الأمنية من الجيش والشرطة والحشد الشعبي. وأوضح التميمي أن قيادة العمليات عقدت اجتماعات موسعة بمشاركة نائب القائد وعدد من الضباط ومسؤولي الأقسام المختلفة لمناقشة الاستعدادات الأمنية واللوجستية، مع تعزيز التنسيق بين الفرق الخدمية والأمنية لضمان نجاح المناسبة وتوفير أعلى درجات الأمن والسلامة للزائرين.
وأضاف أن الخطة التنظيمية للزيارة ستكون سهلة ومرنة، وتشمل جميع المحاور المؤدية إلى مدينة الكاظمية المقدسة، مع التأكيد على عدم قطع الطرق بعد انتهاء الزيارة لضمان عودة الزائرين إلى مناطقهم بشكل سلس وآمن.
النقل والخدمات اللوجستية.. رحلة الذهاب والإياب
يمثل النقل التحدي الأكبر في الزيارات المليونية، ولهذا وضعت وزارة النقل العراقية ثقلها بالكامل لتأمين عودة الزائرين، معلنة عن جاهزيتها الكاملة لتأمين نقل الزائرين، من خلال تجهيز 11 قطاراً قابلة للزيادة حسب الحاجة، إضافة إلى أسطول كبير من الحافلات المخصصة لنقل الزوار من المحافظات إلى بغداد.
وقال مدير المكتب الإعلامي للوزارة، ميثم الصافي، إن الخطة اللوجستية والفنية للوزارة تهدف إلى تسهيل حركة التنقل وتقليل الزخم المروري، خاصة على المحاور الرئيسة المؤدية إلى مدينة الكاظمية المقدسة. وأوضح أن الوزارة شكلت لجاناً ميدانية لمتابعة عمليات النقل، مع استنفار الملاكات الفنية والإدارية وتوفير فرق صيانة ودعم فني لضمان استمرارية العمل دون أي انقطاع طوال فترة الزيارة.
وأشار الصافي إلى أن حركة انطلاق الحافلات ستتم عبر محاور عدة وبالتنسيق مع الجهات الأمنية، كما تم استحداث غرفة عمليات خاصة لتنظيم عمليات النقل من وإلى المدينة المقدسة، مع توفير خطوط ساخنة لخدمة الزائرين وتلقي ملاحظاتهم.
غالباً ما تكمن المشكلة في انتهاء المراسم، حيث يخرج الملايين في وقت واحد. لهذا ركز محافظ بغداد بشكل مكثف على "التفويج العكسي"، وهي خطة تهدف إلى توزيع وسائط النقل بشكل استراتيجي لضمان عودة كل زائر إلى منزله بيسر، ومنع تكدس المواطنين في الشوارع لساعات طويلة.
الاستنفار الخدمي.. أمانة بغداد والمحافظة في الميدان
خلف كل طريق نظيف وموكب مخدوم، هناك جيش من العمال والمهندسين يعملون بصمت. إذ أعلنت أمانة بغداد استكمال خطتها الخدمية الخاصة بالزيارة الرجبية لهذا العام، وذلك ضمن استعداداتها لتقديم أفضل الخدمات للزائرين الوافدين إلى مدينة الكاظمية المقدسة، لإحياء ذكرى استشهاد الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام).
وأوضح المتحدث الرسمي باسم الأمانة، عدي الجنديل، أن أمين بغداد أجرى جولة ميدانية في مدينة الكاظمية، اطّلع خلالها على مستوى الخدمات المقدمة من قبل دائرة البلدية للزائرين، كما التقى بأمين العتبة الكاظمية المقدسة حيدر عبد الأمير، حيث جرى بحث خطة تطوير منطقة الكاظمية ومقتربات العتبة المقدسة، إضافة إلى مناقشة سبل إنجاح الزيارة وتقديم خدمات متكاملة للزائرين.
وأضاف أن أمين بغداد عقد، عقب ذلك، اجتماعاً مع الكادر المتقدم في أمانة بغداد بحضور الوكيل البلدي عبد الرزاق اليعقوبي وجميع المديرين العامين، جرى خلاله شرح تفاصيل الخطة الخدمية المعتمدة للزيارة.
وأوضح الجنديل أن الخطة تتضمن تقسيم بلدية الكاظمية إلى ستة قواطع، يشرف على كل قاطع مدير عام، مع توفير خدمات متكاملة للزائرين تشمل أعمال التنظيف، ورفع النفايات، وتقديم الماء للمواكب الحسينية، فضلاً عن التنسيق مع أصحاب المواكب، للحفاظ على نظافة المكان وتوعية الزائرين.
وأشار إلى وجود إشراف مباشر من أمانة بغداد على عمل الفرق التطوعية، إلى جانب تسخير جهد متكامل على طول مسارات الزائرين وبمسافة تمتد لنحو 800 متر، فضلاً عن إطلاق حملات توعوية تستهدف أصحاب المواكب والزائرين على حد سواء، للحفاظ على نظافة الطرق، وضمان السلامة العامة على طول المسار المؤدي إلى العتبة الكاظمية المقدسة.
أما محافظة بغداد، فقد أكدت استكمال استعداداتها الخدمية والصحية لدعم الزائرين خلال الزيارة الرجبية، من خلال تعزيز العمل في مواكب الطرق، واستنفار جهود الدفاع المدني، وتفعيل فرق الإسعافات الأولية للتعامل مع أي طارئ محتمل.
وقال النائب الفني لمحافظ بغداد، المهندس نور الربيعي، إن الخطة شملت توفير أكثر من 200 حوضية ماء على مختلف المحاور والنقاط، وتخصيص أسطول من الشاحنات لنقل الزائرين ذهاباً وإياباً، مع توزيعها بالتنسيق مع الوزارات والدوائر المعنية لتوفير وسائط نقل إضافية.
وأضاف الربيعي أن المحافظة عملت على تفعيل خطوط ساخنة وخدمة شكاوى إلكترونية عبر تطبيق مخصص لاستقبال ملاحظات المواطنين، مؤكداً الاتفاق مع القوات الأمنية على عدم قطع الطرق بعد انتهاء الزيارة لضمان انسيابية الحركة وسهولة عودة الزائرين.
وتضمنت الاستعدادات أيضاً تنظيم ندوات توعوية بالتعاون مع مركز التدريب والتأهيل والتطوير العلمي، وقسم حفظ النظام في العتبة الكاظمية المقدسة، ومركز الدفاع المدني، لرفع الوعي بإجراءات الدفاع المدني ومكافحة الحرائق، بما يضمن أعلى معايير الأمن والسلامة للزائرين.
تمثل هذه الاستعدادات الأمنية والخدمية واللوجستية جهدًا متكاملاً لضمان نجاح الزيارة الرجبية، من خلال توفير بيئة آمنة ومنظمة للزائرين، مع التأكيد على استمرارية حركة المرور، والجاهزية الكاملة لجميع القطاعات المشاركة لضمان أعلى درجات الأمن والسلامة والصحة العامة خلال مراسم إحياء ذكرى استشهاد الإمام موسى الكاظم (عليه السلام).
وفي النهاية فإن التنسيق العالي بين "العمليات" و"المحافظة" و"الأمانة" و"وزارة النقل"، يعكس صورة الدولة التي تضع كرامة وأمن مواطنها فوق كل اعتبار. إن زيارة الإمام الكاظم (ع) في عام 2026 ليست مجرد طقس ديني، بل هي اختبار لمدى قدرة المؤسسات العراقية على إدارة الحشود بأساليب حضارية تواكب التطور العالمي، مع الحفاظ على الروحانية العميقة لهذه المناسبة الأليمة.
بغداد اليوم، بجميع قطاعاتها، تقف على أهبة الاستعداد لتقول للعالم: "نحن خدّام الزائرين، وحماة الديار".

