بين حظر المدارس وفوضى الأسواق.. مَن يحمي أطفال العراق من "سموم" مشروبات الطاقة؟
انفوبلس/ تقرير
في شوارع بغداد وأزقتها، لم يعد مشهد طفل في العاشرة من عمره وهو يحمل علبة "مشروب طاقة" أمراً غريباً، بل تحول إلى ظاهرة استهلاكية مخيفة. هذه المشروبات التي غزت الأسواق العراقية تحت بريق الإعلانات البراقة وشعارات "النشاط والقوة"، باتت اليوم في قفص الاتهام الطبي، بعد أن تحولت من وسيلة لتجديد الطاقة إلى "قنابل موقوتة" تهدد قلوب الناشئة وتجرّهم نحو الإدمان أو الموت المفاجئ.
من التنشيط إلى الإدمان
تُسوَّق مشروبات الطاقة على أنها منتجات تمنح النشاط والتركيز وتحارب التعب، مستندة إلى حملات إعلانية مكثفة وشعارات جذابة، أبرزها "منح الأجنحة". غير أن الواقع الصحي، وفق دراسات وتقارير طبية عالمية، يؤكد أن هذه المشروبات لا تمنح طاقة حقيقية، بل تؤدي إلى تحفيز مفرط ومؤقت للجهاز العصبي، يعقبه هبوط حاد في النشاط، مع أضرار تراكمية خطيرة على القلب والدماغ والجهاز العصبي.
في العراق، انتشرت هذه المشروبات بشكل لافت بين طلبة المدارس والجامعات، وأصبحت جزءًا من طقوس الامتحانات والسهر الطويل، بل تحولت لدى البعض إلى حالة إدمان يومي، في ظل اعتقاد خاطئ بأنها "آمنة" طالما تُباع بحرية في الأسواق.
مكونات قاتلة بجرعات مرتفعة
لا يوجد تعريف علمي جامع لمشروبات الطاقة، لكنها تُصنف ضمن المشروبات غير الكحولية التي تحتوي على نسب عالية من الكافيين، إضافة إلى مواد أخرى مثل التورين، الغلوكورونولاكتون، الغوارانا، الجنسينغ، والكارنيتين، فضلًا عن كميات كبيرة من السكّر.
وللمقارنة، يحتوي كوب الشاي عادة على نحو 35 ملغ من الكافيين، وكوب القهوة على 40–70 ملغ. في المقابل، تحتوي علبة واحدة من مشروب الطاقة على ما يقارب 180 ملغ من الكافيين، وقد تصل بعض الأنواع المركزة إلى 250 ملغ، أي ما يعادل شرب ثلاثة إلى أربعة أكواب قهوة دفعة واحدة.
أما مادة "التورين"، وهي حمض أميني له فوائد محدودة عند استخدامه بنسب طبيعية، فقد أُضيفت إلى مشروبات الطاقة بكميات تفوق الحاجة الفسيولوجية للجسم، ما يؤدي إلى نتائج عكسية، أبرزها تشنجات عضلية واضطرابات عصبية، وقد تصل إلى نوبات صرع لدى صغار السن. ويضاف إلى ذلك احتواء العلبة الواحدة على ما يعادل 12 إلى 15 ملعقة كبيرة من السكر، ما يجعلها قنبلة سعرات حرارية وتأثيرات أيضية خطيرة.
وفيات مفاجئة وتجارب عالمية
سُجلت عالميًا حالات وفاة عديدة، خاصة بين المراهقين، نتيجة الإفراط في استهلاك مشروبات الطاقة، غالبًا بسبب السكتة القلبية أو اضطرابات نظم القلب. وقد دفعت هذه الحوادث عدة دول إلى فرض قيود صارمة على بيعها.
في بريطانيا، أعلنت الحكومة عام 2025 حظر بيع مشروبات الطاقة للأطفال، بعد تقارير طبية أثبتت علاقتها باضطرابات سلوكية وصحية خطيرة. كما حُظرت بعض العلامات التجارية في دول أوروبية أخرى بعد ربطها بحوادث وفاة أو اكتشاف مواد محظورة ضمن مكوناتها.
شركة "ريد بول"، الأشهر عالميًا، واجهت دعاوى قضائية وحظرًا مؤقتًا في عدة دول، بعد تسجيل حالات وفاة لمراهقين تناولوا كميات كبيرة من المشروب قبل ممارسة نشاط رياضي. كما أُثير جدل واسع حول احتواء بعض منتجاتها سابقًا على آثار لمواد مخدرة، ما دفعها إلى تسويات قانونية وتعويضات مالية.
العراق.. سوق مفتوحة بلا قيود
على عكس دول كثيرة، لا توجد في العراق تشريعات واضحة تحدد العمر المسموح لشراء مشروبات الطاقة، ولا تُفرض تحذيرات صحية بارزة على عبواتها. ورغم أن وزارة التربية أصدرت تعليمات تمنع بيع هذه المشروبات داخل المدارس، إلا أن الأسواق القريبة من المدارس باتت بديلًا سهلًا للطلبة.
يؤكد مديرو مدارس أن منع بيع مشروبات الطاقة داخل الحرم المدرسي لم ينهِ المشكلة، إذ يتوجه الطلبة إلى شرائها قبل الدوام أو أثناء العودة، وغالبًا على معدة فارغة، خاصة خلال فترات الامتحانات.
شهادات من الميدان
يروي الطالب محمد ضياء، وهو في المرحلة الإعدادية، تجربة كادت أن تودي بحياته، قائلًا إن التحدي بين زملائه على شرب أكبر عدد من علب مشروبات الطاقة تحول إلى عادة يومية. "كنت أشرب علبتين أو ثلاث يوميًا لأقاوم النعاس، ثم بدأت أعاني من صداع شديد وخفقان في القلب، وعدم القدرة على النوم"، يقول محمد.
ويضيف: "في أحد أيام الامتحانات، أُصبت بنزيف من الأنف والفم مع إغماء مفاجئ داخل القاعة، ونُقلت إلى الطوارئ. الأطباء أخبروني أن السبب هو الإفراط في مشروبات الطاقة، ومنعوني منها نهائيًا".
في المقابل، تقول الطالبة ملاك أحمد إن كثيرًا من زميلاتها يشترين مشروبات الطاقة قبل الامتحانات اعتقادًا بأنها تعزز التركيز، دون إدراك لمخاطرها الصحية، خصوصًا مع غياب التوعية.
تحذيرات طبية متصاعدة
يحذر أطباء ومختصو تغذية من أن العلاقة بين استهلاك مشروبات الطاقة والدخول إلى غرف الطوارئ باتت واضحة. ويؤكد الدكتور حمد الفرحان أن هذه المشروبات ترفع ضغط الدم وتسارع ضربات القلب، وقد تُسبب اضطرابات خطيرة في نظم القلب، خصوصًا لدى من يعانون من أمراض غير مشخصة.
من جانبه، يشدد اختصاص التغذية الدكتور خالد الدليمي على أن الأطفال والمراهقين هم الأكثر عرضة للخطر، نظرًا لصغر حجم أجسامهم وحساسية أجهزتهم العصبية. ويشير إلى أن الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية لم تحدد كميات آمنة من الكافيين للأطفال، داعية إلى تنظيم أو حظر بيع هذه المنتجات لهم.
ويضيف الدليمي أن مشروبات الطاقة تسهم في هشاشة العظام وتسوس الأسنان بسبب احتوائها على أحماض فسفورية، فضلًا عن زيادة خطر السمنة والسكري نتيجة السكر المرتفع.
أما المستشار الدولي في علوم التغذية عبد اللطيف كاظم الموسوي، فيؤكد أن هذه المشروبات تسبب القلق والأرق وزيادة العصبية، وقد تدفع إلى سلوكيات محفوفة بالمخاطر، إضافة إلى مشكلات هضمية وجفاف ناتج عن التأثير المدرّ للبول للكافيين.
مبادرات فردية في مواجهة الخطر
في ظل غياب إجراءات حكومية رادعة، ظهرت مبادرات فردية للتوعية. أطلقت طبيبة في أحد المراكز الصحية حملة لطباعة بوسترات تحذيرية وتوزيعها على المدارس، بعد ملاحظتها تزايد حالات الموت المفاجئ بين أعمار صغيرة.
وتؤكد الطبيبة أن المشكلة لا تكمن فقط في المدارس، بل في توفر هذه المشروبات في الأسواق بلا قيود أو تحذيرات، ما يجعل منعها داخل المؤسسات التعليمية إجراءً ناقصًا.
بين التوعية والحظر
يثير ملف مشروبات الطاقة في العراق تساؤلات جدية حول دور الجهات الرقابية والصحية. فبينما تتجه دول عديدة إلى فرض قيود عمرية صارمة أو حظر كامل، لا يزال السوق العراقي مفتوحًا، دون رقابة فعالة أو حملات توعية وطنية.
ويرى مختصون أن الحل لا يكمن في المنع فقط، بل في مزيج من التشريع، والرقابة، والتثقيف الصحي، مع إلزام الشركات بوضع تحذيرات واضحة على العبوات، وتحديد أعمار الشراء، ومحاسبة المخالفين.
مشروبات الطاقة لم تعد مجرد خيار استهلاكي، بل تحولت إلى قنبلة صحية موقوتة تهدد جيلًا كاملًا. وبينما تتزايد التحذيرات الطبية، يبقى السؤال الأبرز: هل تنتظر السلطات العراقية ضحايا أكثر قبل التحرك؟ أم أن حماية صحة الأطفال والشباب ستتحول إلى أولوية تشريعية ورقابية حقيقية؟

