تكسي بلي تحت ضغط السائقين في النجف: “التفاليس” تشعل الغضب وتفتح ملف عدالة التسعير
انفوبلس/..
في ساحة الصدرين وسط النجف، تجمّع العشرات من سائقي تطبيق “تكسي بلي” في وقفة سلمية حملت رسائل واضحة ومباشرة إلى إدارة التطبيق والجهات المعنية بتنظيم قطاع النقل، فالتسعير الحالي لم يعد عادلاً، وأجور الرحلات لا تنسجم مع المسافات المقطوعة ولا مع تكاليف التشغيل المتصاعدة، ما يضع آلاف السائقين أمام معادلة خاسرة تهدد مصدر رزقهم اليومي.
الوقفة التي نُظمت الثلاثاء، جاءت بحسب المشاركين فيها بعد أشهر من التذمر المتصاعد داخل أوساط سائقي التكسي الإلكتروني في محافظة النجف، على خلفية ما وصفوه بـ”سياسات تسعير غير منصفة” جعلت الكابتن – وفق تعبيرهم – الحلقة الأضعف في منظومة النقل الرقمي، يتحمل أعباء الوقود والصيانة والاستهلاك، مقابل أجور يرونها “تفاليس” قياساً بحجم الجهد المبذول.
احتجاج سلمي ورسالة مفتوحة
محمد الفتلاوي، أحد منظمي الوقفة، قال إن التحرك جاء بعد استنفاد محاولات إيصال الشكاوى عبر القنوات الداخلية للتطبيق، دون الوصول إلى نتائج ملموسة. وأضاف أن الوقفة “احتجاج على الأسعار غير العادلة التي تؤثر بشكل مباشر على دخل السائقين واستقرارهم المعيشي”.
وبيّن أن السائقين يعملون لساعات طويلة تمتد من الصباح حتى ساعات متأخرة من الليل، ويقطعون مسافات بعيدة داخل المدينة وخارجها، إلا أن المقابل المادي – بحسب وصفه – لا يعكس حجم الجهد والتكاليف، متسائلاً: “أين العدالة عندما يعمل السائق يوماً كاملاً ليجد أن صافي ما تبقى له بعد خصم الوقود والمصاريف لا يكاد يغطي احتياجات أسرته؟”.
وأكد الفتلاوي أن التحرك سلمي ويهدف إلى “إيصال الصوت إلى الجهات المعنية وإدارة التطبيق”، داعياً إلى وضع خطة عمل جديدة تعيد النظر في آلية احتساب الأجور، وتراعي المتغيرات الاقتصادية الراهنة.
سوق نقل مضطرب
من جهته، قال أمير عبد الأمير، ممثل سائقي التكسي الإلكتروني في النجف، إن الفترة الأخيرة شهدت “اضطراباً واضحاً في سوق النقل” نتيجة ما وصفه بسياسات تسعير غير عادلة، أثرت بصورة مباشرة على دخل السائقين.
وأوضح أن الكابتن يتحمل كلفة الوقود التي شهدت ارتفاعات متكررة، فضلاً عن أجور الصيانة الدورية، وقطع الغيار، واستهلاك المركبة، في حين تبقى الأجور ثابتة أو شبه ثابتة، ما يؤدي إلى تآكل هامش الربح تدريجياً.
وأضاف أن “الكابتن هو رب أسرة يعتمد بشكل كامل على هذا العمل كمصدر رزق وحيد، وأي خلل في آلية التسعير أو المنافسة غير المتكافئة ينعكس مباشرة على لقمة عيشه”، مؤكداً أن التحرك لا يستهدف جهة بعينها بدافع التصعيد، بل يهدف إلى تنظيم السوق وضمان تسعير منصف يحفظ حق السائق كما يحفظ حق الراكب.
معادلة الكلفة والربح
تتطلب قراءة مطالب السائقين التوقف عند البنية الاقتصادية لعمل تطبيقات النقل الإلكتروني، فالكابتن يعمل ضمن نموذج يعتمد على احتساب الأجرة وفق مسافة الرحلة ووقتها، مع اقتطاع نسبة من قبل التطبيق، وفي حال لم تُحدث معادلات التسعير بما يواكب تغيرات أسعار الوقود والصيانة، فإن العبء ينتقل تلقائياً إلى السائق.
ويشير عدد من المشاركين في الوقفة إلى أن بعض الرحلات، خصوصاً القصيرة أو ذات الكثافة المرورية العالية، تستغرق وقتاً طويلاً مقابل أجر منخفض، ما يجعل مردود الساعة الفعلي أقل من المتوقع. كما أن التنقل بدون راكب بين الطلبات، أو انتظار قبول الرحلات، يدخل ضمن “الوقت الضائع” غير المحتسب مالياً.
في المقابل، يقر السائقون بأهمية الحفاظ على أسعار مناسبة للركاب، خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية التي تمر بها شريحة واسعة من المواطنين، لكنهم يشددون على ضرورة تحقيق توازن عادل يضمن استدامة الخدمة من دون تحميل طرف واحد كامل الخسارة.
بين التنافس والتنظيم
يشهد قطاع النقل الإلكتروني في العراق نمواً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، مع دخول عدة تطبيقات إلى السوق وتزايد الاعتماد على الحلول الرقمية في التنقل داخل المدن. هذا التوسع خلق بيئة تنافسية، انعكست أحياناً على سياسات التسعير والعروض الترويجية.
ويقول ممثلو السائقين إن المنافسة غير المتكافئة قد تدفع بعض الشركات إلى خفض الأسعار لاستقطاب الزبائن، دون أن تُعاد صياغة هيكل العمولات بما يضمن حماية دخل الكابتن. وفي مثل هذه الحالات، يتحول السائق – بحسب وصفهم – إلى “مصدٍّ لصدمات السوق”، يتحمل تبعات قرارات تسويقية لا يشارك في صناعتها.
من هنا، يطالب المحتجون بتدخل الجهات المعنية لتنظيم القطاع ووضع ضوابط واضحة تحمي جميع الأطراف، وتمنع الإضرار بأي حلقة من حلقات المنظومة.
مطالب محددة وخطوات تصعيدية
بحسب منظمي الوقفة، تتمثل أبرز المطالب في: "إعادة النظر بآلية احتساب الأجور بما يتناسب مع المسافة والزمن وكلفة التشغيل، مراجعة نسبة العمولة المقتطعة من السائقين، وضع حد أدنى عادل لأجور الرحلات القصيرة، ضمان شفافية أكبر في احتساب المسافات والتسعير، وفتح قنوات تواصل مباشرة ومنتظمة بين إدارة التطبيق وممثلي السائقين".
وأكد أمير عبد الأمير أن الخطوات المقبلة ستبقى ضمن الإطار القانوني والسلمي، مع إمكانية مقاطعة أي جهة تعتمد سياسات تضر بالسائقين، إضافة إلى مخاطبة الجهات الرسمية المختصة لتنظيم هذا القطاع ووضع تعليمات واضحة تحكم العلاقة بين الشركات والسائقين.
وأضاف: “رسالتنا واضحة: نريد سوقاً عادلاً لا إقصاء فيه ولا تدمير لمصدر رزق آلاف العوائل”.
أبعاد اجتماعية واقتصادية
لا يقتصر تأثير سياسات التسعير على الجانب المالي فحسب، بل يمتد إلى البعد الاجتماعي، إذ يعتمد كثير من السائقين على هذا العمل كمصدر دخل أساسي أو وحيد، في ظل محدودية فرص العمل في قطاعات أخرى.
ويرى مختصون أن أي خلل في استدامة هذا القطاع قد يؤدي إلى انسحاب عدد من السائقين، ما ينعكس بدوره على مستوى الخدمة وتوفر المركبات، وبالتالي على المستخدمين. كما أن تراجع دخل السائقين قد يحدّ من قدرتهم على صيانة مركباتهم بشكل دوري، ما يؤثر على جودة وأمان الخدمة.
في المقابل، فإن رفع الأسعار بشكل غير مدروس قد يثقل كاهل الركاب ويقلل الطلب، ما ينعكس سلباً أيضاً على حجم الرحلات المتاحة للسائقين. لذلك، فإن المعادلة تتطلب – بحسب خبراء – حلولاً متوازنة تستند إلى بيانات دقيقة حول كلف التشغيل، ومتوسط زمن الرحلات، ومستوى الطلب.

