جدل الأدوية يشتعل في العراق.. نقابة الصيادلة تحذر من رفع التعرفة الكمركية إلى عشرة أضعاف والكمارك تخرج عن صمتها.. خبراء يطلقون تحذيرات
انفوبلس/..
في وقتٍ يعاني فيه المواطن العراقي من ضغوط معيشية متزايدة وارتفاع مستمر في كلفة الخدمات الأساسية، عاد ملف تسعير الأدوية والرسوم المفروضة عليها إلى واجهة الجدل، بعد قرارات حكومية وتوضيحات رسمية متباينة بشأن التعرفة الكمركية والضرائب على الأدوية والمستلزمات الطبية. هذا الجدل أثار مخاوف واسعة لدى الأوساط الصحية والاقتصادية من انعكاسات محتملة على أسعار الدواء، وتوفره في الأسواق، ومستقبل الأمن الدوائي في البلاد، لاسيما في ظل اعتماد العراق الكبير على الاستيراد، وتأخر صرف الرواتب، وتراجع القدرة الشرائية لشريحة واسعة من المواطنين، ما جعل أي تغيير في هذا القطاع الحساس محل قلق مجتمعي واسع.
ارتفاع 10%
وفي هذا السياق، أعلنت نقابة الصيادلة العراقيين، أن الحكومة قررت رفع التعرفة الكمركية على الأدوية والمستلزمات الطبية والمواد الأولية الداخلة في الصناعة الدوائية إلى عشرة أضعاف، محذّرة من تداعيات خطيرة لهذا القرار على أسعار الدواء واستقرار السوق الدوائي في البلاد.
وذكرت النقابة في بيان، أن القرار الصادر عن مجلس الوزراء تضمن زيادة كبيرة في الرسوم الكمركية، الأمر الذي سينعكس بشكل مباشر على منظومة تسعير الأدوية والمستلزمات الطبية، ويتسبب بارتفاع أسعارها على المواطنين، فضلاً عن تأثيره السلبي على سلاسل الإمداد وتوفر الأدوية في الأسواق المحلية.
وأكدت النقابة أن هذه الزيادة ستُلحق أعباءً إضافية بالمرضى، ولا سيما من ذوي الدخل المحدود، مشيرة إلى أن استمرار العمل بالقرار قد يؤدي إلى اضطراب السوق الدوائي وتهديد الأمن الدوائي في العراق.
ودعت نقابة الصيادلة مجلس الوزراء إلى إعادة النظر في القرار، والإبقاء على نسب الرسوم الكمركية السابقة المفروضة على منتجات الصيدلة، بما يشمل الأدوية والمستلزمات الطبية والمواد الأولية الداخلة في الصناعة الدوائية، محذّرة من أن المضي برفعها دون دراسة شاملة سيؤثر سلباً على استقرار القطاع الصحي في البلاد.
توضيح رسمي
لتردَّ بعدها الهيئة العامة للجمارك، إذ أصدرت توضيحا بشأن الرسوم على الأدوية والمستلزمات الطبية، أكدت أن الأدوية الأساسية والمستلزمات الطبية ذات الطابع الإنساني والصحي لا تزال خاضعة للتسهيلات والإعفاءات المنصوص عليها في القانون.
وقالت الهيئة في بيان إنه "انطلاقًا من مسؤوليتنا المؤسسية، وحرصنا على ترسيخ الشفافية وتقديم المعلومة الدقيقة للرأي العام، نودّ التأكيد أولًا على احترامنا الكامل للدور المهني والوطني الذي تضطلع به نقابة الصيادلة العراقية في الدفاع عن مصالح منتسبيها، ودعم استقرار القطاع الدوائي، بما ينسجم مع متطلبات الصحة العامة وأمن الدواء في البلاد".
وأوضحت أن "ما جرى تداوله في بعض التصريحات بشأن "زيادة الرسوم الكمركية على الأدوية إلى عشرة أضعاف" لا يعكس الواقع التشريعي أو التنفيذي بدقّة، ولا يستند إلى مضمون القرارات الحكومية النافذة أو آليات تطبيقها الفعلية".
وأضافت أن "الإجراءات المعتمدة حاليًا تتعلق بتوحيد وتصحيح نسب التعرفة الكمركية التي كانت تُطبّق سابقًا بتفاوت غير مبرر، حيث تُعتمد نسبة (0.0.5%) على الأدوية، وهي نسبة نافذة ومعمول بها قانونًا ولم يطرأ عليها أي تعديل".
ونوهت إلى أن "ما ورد أو نُشر خلاف ذلك للرأي العام يُعد خطأً مطبعيًا غير مقصود، ولا يعكس النسبة الحقيقية المطبقة فعليًا".
وفيما يخص المستلزمات الطبية، أكد الهيئة أنه "جرى تعديل نسبة التعرفة الكمركية من (4%) إلى (5%) فقط، وبزيادة مقدارها (1%)، وذلك تنفيذًا لتوجيهات مجلس الوزراء وضمن إطار القوانين والقرارات الكمركية السارية".
وأكدت أن "هذا الإجراء لا يمثل استحداث رسوم جديدة، ولا مضاعفة غير قانونية للتعرفة، بل يندرج ضمن تصحيح التشخيص الكمركي لبنود التعرفة التي كانت تُعامل سابقًا وفق تصنيفات غير دقيقة أو غير منسجمة مع جداول التعرفة المعتمدة، الأمر الذي تسبب بتفاوت في التطبيق وأربك العدالة الضريبية والتنظيمية".
وأتمت أن "الأدوية الأساسية والمستلزمات الطبية ذات الطابع الإنساني والصحي ما تزال خاضعة للتسهيلات والإعفاءات المنصوص عليها قانونًا، وبما يضمن عدم إحداث أي تأثير مباشر على المواطن، أو المساس بتوفر الدواء في الأسواق، أو تحميل المرضى أعباءً إضافية تتعارض مع السياسة الصحية للدولة".
وأشارت إلى أن "الهدف الجوهري من هذه الإجراءات يتمثل في:
• تعزيز الانضباط الكمركي وتوحيد آليات التطبيق.
• تنظيم الاستيراد وفق أسس قانونية واضحة.
• حماية الاقتصاد الوطني دون الإضرار بالقطاع الصحي".
واختتم البيان: "إذ نثمّن حرص نقابة الصيادلة ومواقفها الداعمة لمهنتها، فإننا نؤكد أن الحوار الفني المشترك والاطلاع الدقيق على حيثيات القرارات والتعليمات التنفيذية هو المسار الأمثل لمعالجة أي ملاحظات، بدلًا من تداول توصيفات رقمية أو تعابير قد تُحدث قلقًا غير مبرر لدى الرأي العام أو تُفهم خارج سياقها القانوني والتنظيمي"، مبينا أن "أبواب الجهات المختصة مفتوحة للتنسيق والتوضيح، وبما يحقق التوازن المطلوب بين حماية الاقتصاد الوطني، وتنظيم الاستيراد، وضمان انسيابية الدواء بأسعار عادلة ومستقرة".
تحذيرات
من جهته، حذّر عضو مركز دجلة للتخطيط الاستراتيجي، علي كريم ذهيب، من التداعيات الخطيرة للاستمرار بفرض ضرائب متصاعدة على المواطنين، ولا سيما القرار الأخير المتعلق برفع الضرائب على الأدوية والمستلزمات الطبية إلى عشرة أضعاف، في وقت يشهد فيه الشارع العراقي تأخر صرف رواتب الموظفين والمتقاعدين عن موعدها الرسمي لعدة أيام.
وأكد إذهيب في بيان، أن فرض ضرائب بهذا الحجم على قطاع حيوي كالصحة يمثل عبئًا إضافيًا على المواطن، ويهدد الأمن الصحي والمجتمعي، خاصة للفئات ذات الدخل المحدود والمرضى، مشيرًا إلى أن هذه السياسات تُعمّق الفجوة بين مستوى الدخل وكلفة المعيشة، في ظل غياب تحسين ملموس في مستوى الخدمات.
وأضاف أن تأخير الرواتب، حتى وإن كان لفترات محدودة، ينعكس بشكل مباشر على الاستقرار المالي للأسر العراقية، ويؤشر إلى خلل في الإدارة المالية يستوجب المعالجة السريعة والشفافة، لما لذلك من تأثير على السوق المحلي والالتزامات اليومية للمواطنين.
وشدد ذهيب على أن الإصلاح المالي لا يتحقق عبر تحميل المواطن كلفة العجز أو سوء الإدارة، بل من خلال مكافحة الهدر والفساد، وتعزيز التخطيط الاقتصادي الرصين، وتوجيه الإيرادات نحو دعم القطاعات الأساسية، وفي مقدمتها الصحة والخدمات.
ودعا الحكومة العراقية إلى إعادة النظر بالقرارات الضريبية الأخيرة، خصوصًا تلك التي تمسّ حياة المواطنين بشكل مباشر، والعمل على ضمان انتظام صرف الرواتب، واعتماد سياسات مالية تراعي العدالة الاجتماعية وتحافظ على الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي.
دعوات لإعادة النظر
يحذّر متخصّصون في الشأن الصحي من أنّ التعامل مع الدواء باعتباره ملفاً مالياً بحتاً قد ينعكس سلباً على الأمن الدوائي في البلاد.
ويؤكد المتخصّص في الأدوية والعقارات، سعدون الربيعي، أن "العراق بلد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد لتأمين أدويته، وأن أي زيادة في كلفة الاستيراد ستؤدي حتماً إلى ارتفاع الأسعار".
ويضيف، أنّ "غياب منظومة دعم واضحة للمرضى من ذوي الدخل المحدود، يجعلهم الحلقة الأضعف في هذه المعادلة"، داعياً الحكومة إلى "إعادة النظر في القرار أو استثناء الأدوية الأساسية والمزمنة بالكامل من أي رسوم".
ويشدد الربيعي على "ضرورة اشتراك نقابات مهنية ومنظمات معنية بحقوق الإنسان في صياغة القرارات المتعلقة بالدواء، لضمان تحقيق التوازن بين متطلبات الاقتصاد وحق المواطن في العلاج.
وتُعدّ مشكلة الأدوية وتهريبها وارتفاع أسعارها من المشكلات التي يعانيها أغلب العراقيين، الذين لا تُسعفهم إمكاناتهم المادية بتوفير الدواء المضمون والمستلزمات الطبية الأخرى، في وقت تعاني فيه المستشفيات العراقية من نقص حادّ بالأدوية، ويتحمّل المرضى كلفة شرائها من الصيدليات الخارجية، بمبالغ مرتفعة جداً.
