رسوم "957" تُشعل الأسواق.. إضراب تجاري واسع يشلّ الحركة ويهدد الأسعار في العراق
انفوبلس/..
دخلت الأسواق العراقية، اليوم الأحد، مرحلة تصعيد غير مسبوقة مع بدء إغلاق واسع للمحال التجارية في عدد من المحافظات، استجابة لدعوات أطلقها تجمع تجار العراق احتجاجاً على الرسوم الجمركية الجديدة وتطبيق قرار مجلس الوزراء رقم (957) لسنة 2025، الذي يرى فيه التجار وغرف التجارة عبئاً ثقيلاً على النشاط التجاري وتهديداً مباشراً لاستقرار السوق والاقتصاد الوطني.
وجاء الإضراب التجاري متزامناً مع تحركات احتجاجية متصاعدة تقودها غرفة تجارة بغداد، التي طالبت، يوم السبت، بالتريث الفوري في تطبيق القرار لمدة لا تقل عن ستة أشهر، محذرة من تداعياته الخطيرة على حركة الاستيراد والتجارة الداخلية، وعلى القدرة الشرائية للمواطنين.
مطالب عاجلة وتحذيرات اقتصادية
وقال المتحدث باسم غرفة تجارة بغداد، رشيد السعدي، إن الغرفة تقدمت بجملة مطالب عاجلة، في مقدمتها تأجيل تنفيذ القرار (957) لعام 2025، مؤكداً أن القرار بصيغته الحالية “لا يخدم مصلحة الاقتصاد الوطني ولا يسهم في استقرار الأوضاع التجارية”.
وأوضح السعدي أن من بين المطالب الأساسية الإسراع في إخراج الحاويات المتكدسة في ميناء أم قصر، مبيناً أن التأخير تسبب بخسائر فادحة للتجار نتيجة الغرامات التي تُفرض من قبل الشركات الأجنبية تحت مسمى “الأرضيات التأخيرية”.
وأشار إلى أن بعض الحالات شهدت قفزات غير مسبوقة في التكاليف، حيث ارتفع رسم الحاوية الواحدة من نحو ثلاثة ملايين دينار إلى ما يقارب 175 مليون دينار، ما يعني أن عشر حاويات قد تكلف التاجر قرابة مليار و750 مليون دينار، وهو رقم يفوق قدرة معظم التجار ويهدد بخروجهم من السوق.
دعوات لتعديل التعرفة
وأكدت غرفة تجارة بغداد أن تعديل التعرفة الجمركية ليكون سقفها بحدود 5% على جميع البضائع المستوردة يمثل مطلباً رئيسياً، في ظل ما وصفته باعتماد “تقدير كمركي مجحف” أسهم في ارتفاع غير مبرر للأسعار واستنزاف رؤوس أموال التجار.
وبيّن السعدي أن هذه الإجراءات انعكست بشكل مباشر على المواطنين، عبر ارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع حركة البيع والشراء، محذراً من أن استمرار الوضع الحالي سيؤدي إلى ركود اقتصادي واسع وفقدان آلاف فرص العمل.
إغلاق شامل وتحركات ميدانية
في المقابل، أعلن تجمع تجار العراق، في بيان صدر الجمعة، دعوته إلى إغلاق عام لجميع الأسواق التجارية في عموم البلاد ابتداءً من اليوم الأحد، على أن يستمر الإغلاق حتى إشعار آخر، احتجاجاً على ما وصفه بـ”الإجراءات المربكة للنشاط التجاري”.
وأكد التجمع أن قرار الإغلاق يهدف إلى حماية مصالح التجار والضغط باتجاه تحقيق مطالبهم، داعياً أصحاب المحال والأسواق إلى الالتزام بالإضراب لحين الاستجابة الحكومية.
وبالفعل، بدأت مساء السبت مظاهر الإضراب بالظهور في مناطق متفرقة من العاصمة بغداد، حيث أغلق عدد من التجار محالهم التجارية، وسط تراجع ملحوظ في حركة البيع والشراء، في وقت شهدت فيه بعض الأسواق إقبالاً واسعاً من المواطنين على شراء المواد الغذائية تحسباً لارتفاع الأسعار.
آراء اقتصادية وتحذيرات
وفي تعليق على تطورات المشهد، قال الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي إن القطاع التجاري يُعد حالياً الأكثر تضرراً، رغم أنه يضم أكثر من 350 ألف منشأة تجارية ويشغّل ملايين الأيدي العاملة في العراق.
وأشار المرسومي، في منشور عبر صفحته في “فيسبوك”، إلى أن تطبيق نظام الأسيكودا والتعرفة الجمركية أسهما في انخفاض حجم التبادل التجاري والإيرادات الكمركية مقارنة بالعام الماضي، محذراً من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى نتائج عكسية على الاقتصاد.
من جانبه، اعتبر المتخصص في الشأن الاقتصادي محمد الكبيسي أن الأزمة الحالية تعكس خللاً واضحاً في آلية تطبيق الرسوم الجمركية، مشدداً على أن أي قرار ضريبي أو كمركي يجب أن يُنفذ تدريجياً وبالتنسيق مع القطاع التجاري لتفادي “صدمات السوق”.
وأوضح الكبيسي أن رفع الرسوم دون تسهيل إجراءات التخليص وتسريع دخول البضائع يؤدي إلى تكدس الحاويات وارتفاع الأسعار، ما ينعكس مباشرة على المواطن ويعمّق حالة الركود في الأسواق.
خلفية الاحتجاجات
وسبق الإضراب الحالي سلسلة من الاحتجاجات، أبرزها تظاهرة نظمها عشرات التجار أمام مقر غرفة تجارة بغداد في 11 كانون الثاني/يناير الماضي، احتجاجاً على الضرائب والرسوم الجديدة، ولا سيما تطبيق التعرفة الجمركية على بعض البضائع المستوردة.
كما شهدت مدينة البصرة، في 8 كانون الثاني/يناير، تظاهرات مماثلة نظمها تجار وأصحاب محال تجارية، عبّروا خلالها عن رفضهم للتعرفة الجديدة، معتبرين أنها تشكل “ضربة قاسية” للاقتصاد المحلي وتزيد من الأعباء المالية على الأسر.
تفاصيل القرار 957
وبحسب وثيقة رسمية جرى تداولها، فإن قرار مجلس الوزراء رقم (957) لسنة 2025، الصادر خلال الجلسة الاعتيادية الثالثة والأربعين المنعقدة بتاريخ 28 تشرين الأول/أكتوبر 2025، تضمّن اعتماد جداول جديدة للتعرفة الكمركية وتطبيقها في جميع المراكز الكمركية، إضافة إلى إعادة العمل بجباية الأمانات الضريبية عبر نظام الأسيكودا، وإلغاء قرارات سابقة تتعارض مع أحكامه.
كما نص القرار على احتساب التعرفة الأعلى في حال اختلاف أصناف البضائع المشحونة ضمن حاوية أو بوليصة واحدة، مع الإبقاء على الإعفاءات الكمركية المنصوص عليها في القوانين النافذة، شريطة تسجيلها في منصة الإعفاءات المرتبطة بنظام الأسيكودا.
وحدد القرار الأول من كانون الثاني/يناير 2026 موعداً لبدء التنفيذ، وهو ما أثار موجة اعتراض واسعة في أوساط التجار والفعاليات الاقتصادية.
أسواق مترقبة وحلول غائبة
ومع اتساع رقعة الإضراب وإغلاق مئات المحال التجارية، تعيش الأسواق العراقية حالة ترقب وقلق من تداعيات محتملة على توفر السلع وأسعارها، في ظل دعوات متزايدة للحكومة بفتح حوار عاجل مع ممثلي القطاع التجاري.
ويحذر مختصون من أن استمرار الأزمة دون حلول سريعة قد يؤدي إلى تعميق الركود الاقتصادي، وزيادة الضغوط المعيشية على المواطنين، في وقت تؤكد فيه الجهات الرسمية تحقيق واردات مالية جيدة خلال الفترة الأخيرة.
وبين تصعيد التجار وتمسكهم بمطالبهم، وانتظار الشارع لقرارات حكومية حاسمة، تبقى الأسواق العراقية معلقة على مسار الأزمة، وسط مخاوف من أن يتحول الإضراب التجاري إلى أزمة معيشية أوسع إذا طال أمدها دون معالجات جذرية.

