عضلات على حساب الحياة.. الهرمونات والمنشطات تحوّل صالات كمال الأجسام إلى قنابل صحية موقوتة
انفوبلس/..
تشهد صالات كمال الأجسام في العراق خلال السنوات الأخيرة تصاعداً مقلقاً في استخدام الهرمونات والمنشطات العضلية، وسط غياب رقابة صارمة وانتشار ثقافة “النتيجة السريعة” بين فئة واسعة من الشباب، الأمر الذي أدى إلى تسجيل مضاعفات صحية خطيرة، وصلت في بعض الحالات إلى الفشل الكلوي، وتضخم عضلة القلب، واضطرابات هرمونية مزمنة قد تلازم المصاب مدى الحياة.
هذا الملف، الذي ظل لفترة طويلة محصوراً داخل جدران القاعات الرياضية، بات اليوم قضية صحية واجتماعية، مع تزايد أعداد المتضررين، وتحوّل بعضهم من رياضيين يتمتعون بقوة بدنية عالية إلى مرضى يقضون حياتهم بين المستشفيات، نتيجة استخدام غير منضبط لمواد هرمونية صُنعت أساساً لأغراض طبية دقيقة.
من الصالات الى المستشفيات
أحمد كاظم، شاب يبلغ من العمر 27 عاماً، يُعد واحداً من هذه الحالات. فبعد سنوات من الالتزام الشديد بالتدريب، وجد نفسه طريح الفراش في إحدىمستشفيات بغداد، يعاني من فشل كلوي حاد، تسبب به استخدامه المتكرر للهرمونات والمنشطات العضلية دون إشراف طبي.
أحمد، الذي كان يقضي أكثر من خمس ساعات يومياً في صالة كمال الأجسام، تحوّل من نموذج يُحتذى به بين أقرانه إلى مثال صارخ على المخاطر الكامنة وراء هذه المواد.
ويؤكد أحمد، أن دخوله عالم التدريب كان بدافع تحسين مظهره وبناء جسد رياضي، لكنه انجرف سريعاً نحو استخدام الهرمونات بعد نصائح متكررة من مدربين ولاعبين آخرين، مشيراً إلى أنه كان يحقن نفسه بمواد لا يعرف تفاصيلها الدقيقة، على أمل تسريع النتائج. غير أن تلك “النتائج السريعة” سرعان ما تحولت إلى أعراض صحية خطيرة، شملت تسارع ضربات القلب، اضطرابات النوم، وتقلبات نفسية حادة، قبل أن ينهار فجأة أثناء التمرين ويتم نقله إلى المستشفى، حيث كشفت الفحوصات عن تضرر كبير في وظائف الكلى.
ولا تُعد حالة أحمد استثناءً، بل تأتي ضمن موجة متصاعدة من الحالات المشابهة، في ظل انتشار ثقافة تضخيم العضلات بأي ثمن، خصوصاً بين فئة الشباب الذين يسعون إلى مظهر جسدي مثالي، سواء للمشاركة في البطولات أو لأسباب اجتماعية ونفسية مرتبطة بالمظهر والثقة بالنفس.
إحصائية كارثية
وتشير دراسات عالمية حديثة إلى أن نسب استخدام الهرمونات والمنشطات بين ممارسي كمال الأجسام تتراوح ما بين 20 إلى 50 بالمئة في بعض المجتمعات الرياضية، فيما تبلغ نسبة الاستخدام الإجمالية بين البالغين حول العالم نحو 3.3 بالمئة، مع تسجيل معدلات أعلى بشكل واضح بين الذكور. ويعكس هذا الرقم حجم الظاهرة واتساعها، لا سيما في الدول التي تفتقر إلى رقابة صحية صارمة على تداول هذه المواد.
في المقابل، يوضح المدرب علي محمد، البالغ من العمر 31 عاماً، أن عالم كمال الأجسام شهد تطوراً كبيراً خلال العقد الأخير، جعل من الصعب المنافسة في البطولات الرسمية دون اللجوء إلى بعض الهرمونات، لكنه يميّز بين الاستخدام الاحترافي الخاضع للرقابة، والاستخدام العشوائي المنتشر بين الهواة.
ويؤكد محمد، الذي يمتلك خبرة تمتد لأكثر من 11 عاماً في التدريب والمشاركة في بطولات محلية، أن استخدام الهرمونات في بداياته كان تحت إشراف مدربين دوليين وأطباء مختصين، وضمن جرعات محسوبة، موضحاً أن الخطر الحقيقي يكمن في تناول هذه المواد دون أي إشراف طبي أو معرفة علمية.
ويحذر من أن “أي خطأ بسيط في الجرعات أو نوع المادة قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، تصل أحياناً إلى الوفاة”.
كما يشير إلى أن المكملات الغذائية مثل البروتين والكرياتين تختلف جذرياً عن الهرمونات، كونها مواد غذائية تحتوي على عناصر مفيدة للجسم، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى مراقبة دقيقة، خصوصاً مع انتشار المنتجات المغشوشة في الأسواق، والتي قد تسبب أضراراً مباشرة بالكلى والكبد عند استخدامها بشكل مفرط أو غير صحيح.
ويرى المدرب أن غياب الوعي الصحي لدى شريحة واسعة من المبتدئين، إضافة إلى ضعف الرقابة على الصالات الرياضية، أسهما بشكل كبير في تفشي هذه الظاهرة، داعياً إلى حصر استخدام الهرمونات في إطار البطولات الرسمية وتحت إشراف طبي صارم، ومنع تداولها داخل القاعات بشكل عشوائي.
قراءة في المخاطر
من جانبه، يقدّم الطبيب حيدر القريشي، أخصائي الباطنية والصدر والسكري والسمنة، قراءة طبية معمّقة لمخاطر هذه المواد، مؤكداً أن الهرمونات المستخدمة في كمال الأجسام هي مواد مُصنّعة مخبرياً لتشابه هرمونات يفرزها الجسم طبيعياً، مثل التستوستيرون وهرمون النمو، لكنها تُستخدم بجرعات تفوق بكثير ما يحتاجه الجسم، ما يؤدي إلى خلل حاد في التوازن الهرموني.
ويشرح القريشي أن هذه المواد طُوّرت أساساً لعلاج حالات مرضية محددة، مثل نقص الهرمونات أو بعض الأمراض المزمنة، وتحت إشراف طبي دقيق، إلا أن استخدامها خارج هذا الإطار الطبي يحوّلها إلى مواد شديدة الخطورة.
ويضيف أن أبرز المضاعفات التي رصدها خلال عمله الطبي تشمل ارتفاع ضغط الدم والسكر، تضخم عضلة القلب، اضطرابات نفسية حادة، وتلف الكبد والكلى.
ويحذر الطبيب من الاعتقاد السائد بأن الجرعات “البسيطة” آمنة، مؤكداً أنه “لا يوجد استخدام آمن للهرمونات خارج الإشراف الطبي”، لأن استجابة الجسم تختلف من شخص لآخر، وقد تظهر مضاعفات خطيرة حتى مع جرعات منخفضة.
كما يشير إلى أن الاستخدام الطويل يؤدي إلى توقف الجسم عن إنتاج هرمون التستوستيرون الطبيعي، ما يسبب العقم وانخفاض الخصوبة بشكل كبير.
أما فيما يتعلق بالفئات العمرية الصغيرة، فيؤكد القريشي أن استخدام الهرمونات قبل اكتمال النمو يُعد من أخطر الممارسات، إذ قد يؤدي إلى توقف النمو الطبيعي، قصر القامة، تشوهات جسدية، واضطرابات دائمة في الجهاز التناسلي، ما ينعكس سلباً على مستقبل الشاب الصحي والنفسي.
ويفرّق الطبيب بوضوح بين الهرمونات والمكملات الغذائية، موضحاً أن الأخيرة ليست ضارة بحد ذاتها إذا استُخدمت بشكل صحيح وتحت إشراف مختص، إلا أن سوء الاستخدام والغش التجاري يحوّلانها أيضاً إلى مصدر خطر، خاصة مع غياب الفحوصات الدورية للكلى والكبد لدى المستخدمين.
وفي ظل هذه المعطيات، تتصاعد الدعوات إلى ضرورة تشديد الرقابة على صالات كمال الأجسام، وتنظيم تداول الهرمونات والمنشطات، وإطلاق حملات توعوية تستهدف الشباب، لشرح المخاطر الحقيقية لهذه المواد بعيداً عن الصورة الوردية التي تروّج لها بعض القاعات والمدربين غير المختصين.
ويرى مختصون أن معالجة هذه الظاهرة لا تقتصر على الجانب الصحي فحسب، بل تتطلب أيضاً معالجة اجتماعية وثقافية، تعيد تعريف مفهوم الرياضة والنجاح الجسدي، بعيداً عن هوس العضلات الضخمة والنتائج السريعة.