كيف سيحول "إيداع الخرائط" ميناء الفاو وطريق التنمية إلى ركائز اقتصادية محمية دولياً؟
انفربلس/ تقرير
بخطوة وُصفت بأنها "الأجرأ" في تاريخ الدبلوماسية القانونية العراقية، دخل العراق مرحلة السيادة البحرية الكاملة من أوسع أبواب الشرعية الدولية. فبعد عقود من التداخل، واللبس، والاتفاقيات التي أثارت لغطاً سياسياً وشعبياً واسعاً، شكّل إيداع الخرائط البحرية العراقية لدى الأمم المتحدة نقطة انطلاق استراتيجية لمرحلة جديدة عنوانها "التكريس السيادي". لم يعد الحق العراقي في المياه مجرد مطالبة في أروقة الاجتماعات، بل تحول إلى وثيقة دولية مودعة رسمياً، مما يفتح الباب أمام استحقاقات قانونية، اقتصادية، وجيوسياسية كبرى.
تستعرض "انفوبلس" في هذا التقرير الشامل، أبعاد هذا التحرك، وتداعياته على ملفات "خور عبد الله"، وحقل "الدرة"، ومستقبل ميناء الفاو الكبير، مستندة إلى آراء الخبراء والتحركات البرلمانية الأخيرة.
الوثيقة الدولية.. كيف تحول "الإيداع" إلى سلاح قانوني؟
يرى الخبراء أن خطوة الإيداع ليست مجرد إجراء بروتوكولي، بل هي "تأسيس لمركز قانوني سيادي" يقطع الطريق على سياسات الأمر الواقع. الخبير في ملف المياه والحدود، اللواء الدكتور جمال الحلبوسي، أكد أن إيداع الخارطة ونشرها رسمياً يمنح العراق "الصفة القانونية الكاملة".
مكاسب "الإيداع" من منظور قانوني:
التثبيت العالمي: تعميم الخارطة في "أطلس المحيطات الدولي" يجعلها وثيقة معترفاً بها أمام المحافل والمحاكم الدولية.
إلزام دول الجوار: نشر الخرائط يعني تثبيت إحداثيات تلزم الدول التي رسمت حدوداً متداخلة مع العراق (لاسيما في المناطق التي لم تشهد ترسيمًا نهائيًا) بإعادة النظر في تلك الإحداثيات والانسحاب بما يتوافق مع الوثائق المودعة.
السيادة النفطية: تمنح الخارطة سنداً قانونياً لوزارة النفط لإطلاق عمليات الاستكشاف والتنقيب في مناطق كانت تُصنف سابقاً "متنازعاً عليها"، مع توجيه رسالة حازمة للشركات الأجنبية بأن أي تعامل خارج إطار الحكومة العراقية في هذه المناطق سيعرضها للمساءلة القانونية الدولية.
استحقاقات "خور عبد الله" والتمرد على القوانين غير الدستورية
في غضون هذا الحراك الدولي، يغلي المرجل البرلماني العراقي لاستكمال "المعركة القانونية" في الداخل والخارج. محور الصراع يتركز حول اتفاقية تنظيم الملاحة في "خور عبد الله"، والتي قضت المحكمة الاتحادية العليا بعدم دستورية قانون المصادقة عليها (القرار رقم 105 لسنة 2023).
حراك برلماني لـ "تأميم" السيادة البحرية:
يقود النائب عن كتلة "حقوق"، سعود الساعدي، حراكاً مكثفاً لإيداع قرار المحكمة الاتحادية لدى الأمم المتحدة ليكون جزءاً من الملف السيادي المودع. الساعدي وجه سؤالاً نيابياً رسمياً لاستيضاح أسباب تأخر الجهات التنفيذية في هذا الإيداع، مؤكداً أن حسم هذا الملف ضمن سقف زمني لا يتجاوز 15 يوماً هو استحقاق دستوري وطني.
من جانبهم، يرى نواب مثل حيدر محمد كاظم وزهير شهيد عبد الله أن "الصحوة القانونية" الحالية، المدعومة بحراك شعبي ونيابي، هي التي وضعت الحدود البحرية في الواجهة، مشددين على أن تثبيت حدود "خور عبد الله" في الخرائط المودعة يضع حداً نهائياً لأي التباس سيادي.
ميناء الفاو وطريق التنمية.. الاقتصاد يتبع الخارطة
النائب أحمد شهيد اعتبر أن العراق دخل "مرحلة مفصلية" بعد تنفيذ القرارات الدولية وتثبيت الحدود (وعلى رأسها القرار الأممي 833). ويرى شهيد أن استعادة الحقوق البحرية وترسيخها قانونياً لا يهدف فقط لرسم خطوط على الماء، بل هو "مشروع نهضة اقتصادية":
تعزيز مكانة ميناء الفاو: تثبيت الحدود يجعل من ميناء الفاو الكبير ركيزة استراتيجية لا يمكن التلاعب بمداخلها الملاحية، مما يضمن تدفق التجارة العالمية عبر "طريق التنمية".
حقل الدرة والجزر الاصطناعية: حسم ملف الإحداثيات يضع العراق أمام استحقاقات استثمارية في حقول الغاز المشتركة والجزر الاصطناعية، مما يعظم موارد الخزينة بعيداً عن تقلبات أسعار النفط الخام.
تنمية الموارد غير النفطية: تثبيت الحدود يتيح ممارسة كامل الحقوق في الصيد والملاحة واستيفاء الرسوم السيادية من السفن العابرة، وهو ما أكد عليه النائب علي صابر، معتبراً إياها خطوة لدعم موارد الدولة وتنويع الإيرادات.
الرؤية القانونية.. الساحل العراقي بين "المظلومية الجغرافية" والحق التاريخي
يوضح الخبير في القانون الدولي، وائل منذر، أن تحديد المديات البحرية هو "فعل سيادي" تكفله اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. إلا أن الحالة العراقية تتسم بخصوصية جيوسياسية معقدة:
ضيق الواجهة البحرية: يمتلك العراق ساحلاً محدوداً لا يتجاوز 60 كيلومتراً (42 ميلاً بحرياً)، مما يجعل كل "شبر" مائي بمثابة ثروة وطنية لا تقبل المساومة.
الحق التاريخي في خور عبد الله: يشير منذر إلى أن إدارة العراق وتنظيمه للملاحة في خور عبد الله لأكثر من قرن من الزمان تشكل "واقعة تاريخية" تعزز موقفه القانوني في أي مفاوضات دولية مقبلة.
آلية الاعتراض: يحق للدول المجاورة الاعتراض على الخرائط المودعة خلال فترة زمنية (قد تصل لعام)، ولكن هذا الاعتراض لا يلغي "الإيداع" بل يفتح باباً للتفاوض المستند إلى القانون الدولي، وليس إلى الإملاءات السياسية.
استراتيجية "ما بعد الإيداع".. خارطة طريق حكومية
تؤكد الأوساط السياسية لـ "انفوبلس" أن المرحلة المقبلة تتطلب "حزمة إجراءات متكاملة" لضمان عدم بقاء الخرائط مجرد حبر على ورق الأمم المتحدة:
التحرك الدبلوماسي: قيام وزارة الخارجية بإبلاغ كافة الدول المعنية (الكويت، السعودية، إيران) رسمياً بالإحداثيات المودعة، ودعوتها لاحترام السيادة الوطنية.
التحرك الاستثماري: إصدار توجيهات من مجلس الوزراء لوزارة النفط للبدء بوضع خطط استكشافية في المناطق البحرية المثبتة.
التحرك الملاحي: تفعيل دور الشركة العامة لموانئ العراق لإدارة حركة السفن واستيفاء العوائد المالية وفقاً للحدود الجديدة.
التحرك القضائي الدولي: الاستعداد لاستخدام قرار المحكمة الاتحادية (بشأن خور عبد الله) كدرع قانوني لإبطال أي التزامات سابقة فُرِضت على العراق في ظروف استثنائية.
أمانة الأجيال وسور البحر
إن إيداع الخرائط البحرية العراقية لدى الأمانة العامة للأمم المتحدة يمثل "سوراً قانونياً" يحمي مستقبل العراق الاقتصادي. إنها رسالة واضحة بأن العراق، رغم كل التحديات، يمتلك الأدوات القانونية والدبلوماسية لاستعادة حقوقه.
التحركات التي يقودها نواب مثل سعود الساعدي وأحمد شهيد، والمدعومة بآراء خبراء مثل الحلبوسيووائل منذر، ترسم اليوم ملامح "عراق بحري" قوي، يمارس سيادته من ميناء الفاو وصولاً إلى أقصى نقطة في جرفه القاري. المعركة الآن انتقلت من "طاولات التفاوض الثنائية" التي قد تشوبها ضغوط سياسية، إلى "رحاب القانون الدولي"، حيث الوثائق والإحداثيات والحق التاريخي هي اللغة الوحيدة المعترف بها.
إن حماية المياه العراقية هي حماية لـ "رئة العراق" الاقتصادية، وضمان لأن تظل ممراتنا الملاحية ملكاً خالصاً للأجيال القادمة، بعيداً عن أي لبس أو تداخل.

