مجلس النواب يقر تعديلات واسعة على نظامه الداخلي ويعيد رسم خارطة اللجان النيابية
هيكلة برلمانية جديدة
انفوبلس..
شهد مجلس النواب العراقي تطورًا تشريعيًا لافتًا مع إقرار تعديلات واسعة على نظامه الداخلي، في خطوة تهدف إلى إعادة تنظيم عمل اللجان النيابية وتعزيز أدوات الرقابة البرلمانية ومواكبة التحديات السياسية والإدارية والاقتصادية التي تواجه البلاد.
التعديلات لم تقتصر على إعادة هيكلة اللجان، بل شملت استحداث لجان جديدة وتوسيع صلاحيات أخرى، بما يعكس محاولة لإعادة ضبط الأداء التشريعي والرقابي داخل المؤسسة البرلمانية، وسط توقعات بأن تؤثر هذه الإجراءات على آليات صنع القرار ومتابعة عمل الحكومة خلال المرحلة المقبلة.
تعديلات تنظيمية واسعة
وعقد مجلس النواب، اليوم الثلاثاء، جلسته العاشرة ضمن الدورة الانتخابية السادسة للسنة التشريعية الأولى، برئاسة رئيس المجلس، حيث خُصص جانب كبير من أعمالها لمناقشة وإقرار تعديلات جوهرية على النظام الداخلي للمجلس، ولا سيما ما يتعلق بتنظيم اللجان النيابية الدائمة وآليات عملها.
وجاءت هذه الجلسة في سياق مساعٍ برلمانية لإعادة هيكلة العمل الداخلي للمجلس بما ينسجم مع متطلبات المرحلة الحالية، التي تشهد تصاعد الملفات الرقابية والتشريعية المرتبطة بالأوضاع الاقتصادية والخدمية والأمنية.
وصوّت النواب على النظام الداخلي المعدل الخاص باللجان الدائمة، بعد إدخال تغييرات تنظيمية اعتُبرت من أوسع التعديلات منذ إقرار النظام الداخلي عام 2022.
التعديل الجديد أعاد صياغة عدد من المواد الأساسية التي تحدد تشكيل اللجان واختصاصاتها وعدد أعضائها وآلية انتخاب رؤسائها، في محاولة لمعالجة الإشكالات التي رافقت عمل المجلس خلال الدورات السابقة، خصوصًا ما يتعلق بتداخل الصلاحيات وضعف التنسيق بين اللجان.
إعادة تشكيل اللجان واستحداث لجنة جديدة
أبرز ما تضمنته التعديلات هو تحديد اللجان النيابية الدائمة بـ22 لجنة، بعد استحداث لجنة جديدة حملت اسم “لجنة المنافذ الحدودية وحماية المنتج الوطني”، في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام البرلماني بملفات الاقتصاد الوطني ومكافحة التهريب وتعزيز الإنتاج المحلي.
وشملت اللجان، إلى جانب اللجنة المستحدثة، لجانًا تقليدية مثل القانونية والمالية والأمن والدفاع والنزاهة والنفط والغاز والعلاقات الخارجية والخدمات والإعمار والكهرباء والطاقة والاقتصاد والاستثمار والصحة والتعليم والزراعة والعمل وحقوق الإنسان وغيرها.
ويشير هذا التنوع في اللجان إلى محاولة توزيع الأعباء الرقابية والتشريعية بشكل أكثر تخصصًا، بما يسمح بمتابعة أدق لأداء الوزارات والمؤسسات الحكومية. كما يعكس استحداث لجنة المنافذ الحدودية إدراكًا متزايدًا لحجم التحديات المرتبطة بإدارة المعابر الحدودية وتأثيرها المباشر على الإيرادات العامة وحماية الصناعة المحلية.
آليات جديدة لاختيار أعضاء اللجان
التعديلات الجديدة أعادت تنظيم آلية اختيار أعضاء اللجان النيابية، حيث منحت كل نائب حق الترشح لعضوية لجنة واحدة أو رئاستها، على أن تُعرض أسماء المرشحين من قبل رئاسة المجلس للتصويت داخل البرلمان.
كما حدد النظام المعدل عدد أعضاء كل لجنة بما لا يقل عن سبعة أعضاء ولا يزيد على تسعة عشر عضوًا، مع منح رئيس المجلس ونائبيه صلاحية إجراء تعديلات محدودة على أعداد الأعضاء لضمان التوازن السياسي وتمثيل الاختصاصات المهنية.
وتضمنت التعديلات أيضًا آلية لمعالجة النقص في عضوية اللجان عبر النقل أو الإضافة بين اللجان المختلفة، وهو إجراء يهدف إلى منع تعطّل عمل اللجان نتيجة الانسحابات أو التغييرات السياسية داخل المجلس.
ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات تسعى إلى تقليل حالة الجمود التي كانت تصيب بعض اللجان نتيجة الخلافات السياسية أو عدم اكتمال النصاب داخلها، بما يسمح باستمرار العمل الرقابي والتشريعي دون تعطيل.
توسيع صلاحيات اللجان الرقابية
لم تقتصر التعديلات على إعادة التنظيم الإداري، بل توسعت بشكل واضح في تحديد مهام اللجان، خصوصًا تلك المرتبطة بالخدمات العامة والقطاعات الحيوية.
فقد مُنحت لجنة الصحة ومكافحة المؤثرات العقلية صلاحيات واسعة تشمل مراجعة السياسات الصحية، ومراقبة أداء المؤسسات الطبية الحكومية والأهلية، ومتابعة خطط توفير الأدوية وضمان جودتها، إضافة إلى متابعة تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لمكافحة المخدرات والأوبئة.
كما أُنيطت باللجنة مهمة مراقبة أداء الجهات الأمنية والصحية المعنية بمكافحة المخدرات، إلى جانب متابعة مراكز التأهيل والعلاج النفسي والاجتماعي للمدمنين، وهو ما يعكس تنامي القلق الرسمي من انتشار المخدرات وتأثيرها الاجتماعي.
في المقابل، حصلت لجنة الأقاليم والمحافظات والتخطيط والبرنامج الحكومي والأوقاف على صلاحيات رقابية موسعة، أبرزها متابعة تنفيذ المنهاج الوزاري وتقييم نسب الإنجاز، إضافة إلى مراقبة عمل الهيئات المعنية بتوزيع الموارد الاتحادية ودواوين الأوقاف والجهات الدينية.
الزراعة والمياه والبيئة ضمن أولويات التشريع
التعديلات أولَت اهتمامًا خاصًا بقطاع الزراعة والموارد المائية والبيئة، عبر إعادة تعريف مهام اللجنة المختصة لتشمل متابعة السياسات الزراعية وتنمية الأرياف وتشجيع الاستثمار الزراعي واستصلاح الأراضي.
كما تضمنت صلاحيات اللجنة مراقبة إدارة الموارد المائية الداخلية والخارجية، وضمان التوزيع العادل للمياه، ومتابعة الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحصص العراق المائية، إضافة إلى الإشراف على مشاريع إنعاش الأهوار ومكافحة التصحر وحماية المناطق الخضراء.
وشملت المهام الجديدة كذلك متابعة خدمات مياه الشرب والصرف الصحي والحد من التلوث البيئي، مع التأكيد على منع طمر النفايات الخطرة أو النووية داخل الأراضي العراقية، وهو بند يعكس حساسية متزايدة تجاه القضايا البيئية والصحية.
لجان العمل والمجتمع المدني والهجرة والمصالحة
وسعت التعديلات دور لجنة العمل ومؤسسات المجتمع المدني والشباب والرياضة لتشمل مراقبة سياسات سوق العمل وتنظيم العلاقة بين العمال وأصحاب العمل، ومتابعة برامج التدريب المهني والرعاية الاجتماعية، إضافة إلى الرقابة على المؤسسات الرياضية والشبابية.
كما أُعطيت اللجنة دورًا في متابعة أداء المنظمات غير الحكومية وضمان تنفيذ برامجها بما ينسجم مع احتياجات المجتمع.
أما لجنة الهجرة والمهجرين والمصالحة المجتمعية والعشائر فقد أُنيطت بها مهام متابعة إعادة النازحين إلى مناطقهم الأصلية، واستعادة حقوقهم وممتلكاتهم، ومراقبة عمل مؤسسات المصالحة الوطنية وهيئة المساءلة والعدالة، فضلاً عن تعزيز الحوار المجتمعي ودعم الاستقرار الاجتماعي.
وتضمنت مهامها أيضًا متابعة أوضاع المرحلين سابقًا وقضايا الجنسية العراقية، إضافة إلى تعزيز دور العشائر بما يتوافق مع الدستور والقانون ومنع الأعراف المخالفة لهما.
تعزيز ملفات حقوق الإنسان والأسرة والطفولة
التعديلات منحت لجنة حقوق الإنسان والمرأة والأسرة والطفولة صلاحيات رقابية وتشريعية أوسع، تشمل متابعة أوضاع السجون والمعتقلات ورصد الانتهاكات المحتملة لحقوق الإنسان.
كما تضطلع اللجنة بمتابعة قضايا العنف الأسري وحماية حقوق المرأة والطفل، وتعزيز ثقافة حقوق الإنسان في المجتمع، إضافة إلى مراقبة سياسات الحكومة المتعلقة برعاية الأسرة والأمومة والطفولة ومنع الاتجار بالأطفال والتسول.
ويُنظر إلى هذا التوسع في الاختصاصات باعتباره محاولة لتعزيز الدور الرقابي للبرلمان في الملفات الاجتماعية والإنسانية التي تشهد اهتمامًا متزايدًا داخليًا ودوليًا.
لجنة المنافذ الحدودية وحماية المنتج الوطني
يُعد استحداث لجنة المنافذ الحدودية وحماية المنتج الوطني أبرز مخرجات التعديل، إذ أوكلت إليها مهام متابعة عمل هيئة المنافذ الحدودية والجهات العاملة فيها، والتأكد من الالتزام بالتشريعات والسياسات الحكومية.
كما تشمل مهامها مراقبة إجراءات دعم الصناعة الوطنية ومكافحة التهريب وتقييم أداء العاملين في المنافذ الحدودية، فضلاً عن متابعة تطبيق القوانين التي تحمي المنتجات المحلية من المنافسة غير العادلة.
ويعكس هذا التوجه إدراكًا برلمانيًا متزايدًا لدور المنافذ الحدودية في ضبط الاقتصاد الوطني، خصوصًا في ظل الاتهامات المتكررة بوجود هدر مالي وعمليات تهريب تؤثر في الإيرادات العامة.
قرارات إجرائية وتصويتات إضافية داخل الجلسة
إلى جانب التعديلات التشريعية، صوّت المجلس خلال الجلسة على تثبيت رئيس أركان الجيش العراقي الفريق أول ركن عبد الأمير يار الله في منصبه، إضافة إلى تثبيت أمين العاصمة عمار موسى كاظم، بعد إدراج فقرة التصويت بطلب نيابي.
كما قرر المجلس أن تُعقد جلساته خلال شهر رمضان في الساعة التاسعة مساءً، مراعاة للظروف الاجتماعية والدينية المرتبطة بالشهر الفضيل، قبل أن تُرفع الجلسة بعد استكمال جدول الأعمال.
خطوة نحو إعادة تنظيم الأداء البرلماني
تمثل التعديلات الجديدة على النظام الداخلي محاولة لإعادة هيكلة العمل البرلماني وتعزيز فعالية اللجان بوصفها العمود الفقري للعمل التشريعي والرقابي.
وبينما يرى مؤيدو التعديلات أنها ستسهم في رفع مستوى الأداء ومتابعة الحكومة بشكل أكثر تخصصًا، يبقى نجاحها مرهونًا بمدى التزام الكتل السياسية بتفعيل الدور الرقابي بعيدًا عن التجاذبات.
وفي ظل التحديات الاقتصادية والأمنية والخدمية التي تواجه العراق، تبدو اللجان النيابية بعد هذه التعديلات أمام اختبار عملي حقيقي لإثبات قدرتها على تحويل الصلاحيات الموسعة إلى نتائج ملموسة تنعكس على الأداء الحكومي وحياة المواطنين.