رئيس برلمان بـ"ظلال" حزبية.. هل سقطت استقلالية المنصب في "فخ الكرمة"؟
انفوبلس/ تقارير
لم تكن الدقائق الأولى التي أعقبت انتخاب هيبت الحلبوسي رئيساً لمجلس النواب العراقي يوم الاثنين الماضي مجرد لحظات احتفالية عابرة، بل تحولت سريعاً إلى "مختبر سياسي" لقياس حدود الفصل بين المؤسسات الدستورية والزعامات الحزبية. فمع ظهور اللقاءات الدبلوماسية الأولى للرئيس الجديد، انفجر سيل من الجدل والشكوك حول استقلالية المنصب، ومدى قدرة الحلبوسي (الرئيس) على الخروج من ظلال الحلبوسي (الزعيم)، في مشهد يراه مراقبون تقويضاً لهيبة أعلى سلطة تشريعية في البلاد.
تمثلت الإشكالية الأولى التي رصدها المحللون في مكان وزمان وطبيعة اللقاءات الدبلوماسية. فبدلاً من أن يستقبل رئيس السلطة التشريعية سفراء الدول في مبنى البرلمان العراقي بقلب المنطقة الخضراء، جرت اللقاءات الأولى مع سفيري إيران والأردن في مقر حزب "تقدم" وفي "مضيف" زعيم الحزب بمحافظة الأنبار.
واستقبال السفراء بصفة رسمية داخل مقر حزبي يُعد سابقة تكسر العرف الدبلوماسي الذي يوجب أن تكون المؤسسة الرسمية هي الحاضنة للقاءات الدولية.
كما أثارت الصور المسربة من اللقاءات تساؤلات قاسية؛ حيث بدا محمد الحلبوسي في صدارة المشهد والمضيّف الفعلي، بينما جلس رئيس البرلمان المنتخب على "هامش الصورة". هذا التوزيع البصري أرسل رسالة رمزية مفادها أن "القرار الفعلي" لا يزال بيد زعيم الحزب، وأن المنصب الدستوري ما هو إلا "امتداد وظيفي" لإرادة الزعامة.
وبحسب الكاتب والإعلامي سالم مشكور، فإن "المشاهد التي أعقبت انتخاب هيبت الحلبوسي رئيساً لمجلس النواب، ولا سيما لقاءاته مع عدد من السفراء الأجانب، تثير أكثر من علامة استفهام بشأن طبيعة رئاسة البرلمان وحدود استقلالها، فإجراء هذه اللقاءات داخل مقر حزب "تقدم"، وليس في مبنى مجلس النواب، يعكس ارتباكاً في الفصل بين الموقع الدستوري والهوية الحزبية، إذ يفترض برئيس السلطة التشريعية أن يتعامل بوصفه ممثلاً لجميع العراقيين لا امتداداً لحزب سياسي".
ويقول مشكور، أن "الإشكالية الأبرز تمثلت في مشهد الجلوس خلال تلك اللقاءات، حيث بدا محمد الحلبوسي في موقع المضيف الفعلي، فيما جلس رئيس مجلس النواب الجديد على هامش الصورة، وكأن الزيارة موجهة إلى زعيم الحزب لا إلى رئيس البرلمان، وهو ما منح انطباعاً رمزياً مقلقاً عن توازن السلطة داخل المؤسسة التشريعية".
ويرى أن "هذه الصورة تشكل مؤشراً سلبياً مبكراً على أداء رئاسة البرلمان في المرحلة المقبلة، وتغذي المخاوف من أن يكون هيبت الحلبوسي مجرد واجهة، بينما تدار شؤون المجلس فعلياً من قبل محمد الحلبوسي، سواء من خلف الكواليس أو بصورة مباشرة".
استمرار هذا النمط – بحسب المتحدث - سيضعف هيبة المنصب ويقوض استقلالية البرلمان، ويعيد إنتاج أزمة خضوع المؤسسات الدستورية لمنطق الزعامة الحزبية.
أما المحلل السياسي غالب الدعمي، فيرى أن "المشهد المرافق لتحركات رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي يبعث على الاستغراب، فحتى الزعماء الشيعة، رغم نفوذهم السياسي الواسع، لا يرافقون وزراء أو مسؤولين في تحركاتهم الدبلوماسية والمهنية والرسمية، في حين لم يظهر رئيس البرلمان الجديد حتى الآن بمفرده، بل دائماً إلى جانب زعيم حزب تقدم محمد الحلبوسي".
ويضيف الدعمي، أن "هذا الحضور الدائم لمحمد الحلبوسي يعزز الانطباع بأن هيبت الحلبوسي قد لا يكون قادراً على الخروج من عباءة رئيس حزبه، الأمر الذي يفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول من يدير البرلمان فعلياً، وما إذا كان محمد الحلبوسي هو رئيس مجلس النواب الحقيقي، ولو من خارج الموقع الدستوري".
ومع ذلك، يستبعد استمرار هذا المشهد طويلاً، مرجحاً أن "تشهد العلاقة بين الطرفين توتراً أو خلافات خلال الأشهر المقبلة، مع بدء هيبت الحلبوسي بالشعور بحساسية التدخل المباشر في إدارة شؤون البرلمان، وهو ما قد يدفعه إلى محاولة فرض استقلالية أكبر لمنصبه، أو يعيد خلط الأوراق داخل بيت تقدم السياسي".
ويعد هيبت الحلبوسي الذي انتخب رئيسا للبرلمان الاثنين الماضي، بوصفه أحد الأسماء اللصيقة برئيس حزب تقدم محمد الحلبوسي، الذي واجه "فيتو" غير معلن من قوى الإطار التنسيقي، والحزب الديمقراطي الكردستاني، إذ كان يرغب بتمرير نفسه مرشحاً لرئاسة المجلس.
دفاع "تقدم": تهويل وتسييس للمشهد
يجد الباحث السياسي المقرّب من حزب تقدم الخطاب التميمي، أن "الجدل المثار بشأن ظهور محمد الحلبوسي إلى جانب رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي ينطوي على قدر كبير من التهويل والتسييس، فالسيد الحلبوسي هو قائد ورئيس حزب تقدم، وأن جميع الوزراء والمسؤولين المنتمين للحزب، بمن فيهم هيبت الحلبوسي، يُعدّون جزءاً من هذه المنظومة الحزبية التي يقودها رأس واحد".
ويضيف التميمي، أن "هذا الواقع الحزبي لا يعني وجود تداخل أو تضارب في الصلاحيات داخل المؤسسة التشريعية”، مشدداً على أن "هيبت الحلبوسي، في الإطار البرلماني، هو رئيس مجلس النواب بكامل الصلاحيات، ولا يوجد أي مساس باستقلالية موقعه الدستوري".
ويؤكد أن "الترويج لوجود هيمنة أو وصاية هو خطاب تتداوله أطراف فاشلة سياسياً وبعض وسائل الإعلام التي تحمل مواقف مسبقة وعدائية تجاه محمد الحلبوسي".
ما جرى في مضيف محمد الحلبوسي في قضاء الكرمة –بحسب التميمي - لم يكن لقاءً رسمياً بالمعنى البروتوكولي، بل دعوة اجتماعية وسياسية ضمّت رئيس مجلس النواب ووزير التخطيط وعدداً من النواب، ومن الطبيعي، أن يتصدر صاحب المضيف المجلس، من دون أن يعني ذلك انتقاصاً من موقع رئيس البرلمان أو صلاحياته.
وفيما يتعلق بلقاءات السفراء، يوضح التميمي، أن "ظهور محمد وهيبت الحلبوسي جالسين معاً على أريكة واحدة، من دون تمييز في الجلوس أو المشهد، لا يخرج عن السياق البروتوكولي أو السياسي المعتاد"، معتبراً أن الحديث عن "إخراج مقصود" أو "رسائل خفية" يعكس حالة أزمة لدى أطراف تسعى إلى تضخيم المشهد وقراءته خارج سياقه الطبيعي، وربما بدفع وتوجيه سياسيين مباشرين.
ويشير إلى أن "هيبت الحلبوسي يمتلك مساحة واضحة للعمل داخل البرلمان، وسيؤدي مهامه ضمن هذه المساحة من دون ضغوط”، موضحاً أنه وإن كان جزءاً من المنظومة الحزبية التي يقودها محمد الحلبوسي، إلا أنه في الفضاء الوطني سيعمل قائداً لمؤسسته الدستورية، وبما ينسجم مع موقعه كرئيس لمجلس النواب.
وعن سبب حضور السفراء في مقر الحزب، ينوه إلى أن "استقبال السفراء جاء في إطار تهنئة حزب “تقدم” بحصوله على استحقاقه السياسي، في ظل العلاقات التي تربط هذه البعثات برئيس الحزب”، مؤكداً أن “مكان اللقاء وطبيعته يعكسان هذا السياق، وأن التهاني وُجهت في الوقت نفسه لكل من محمد الحلبوسي بصفته زعيماً للحزب، وهيبت الحلبوسي بصفته رئيساً لمجلس النواب، من دون أي تعارض أو ازدواج في الأدوار".
لم يتوقف الجدل عند حدود البروتوكول، بل امتد ليمس أسس النظام الديمقراطي. فقد أصدر مركز العراق لحقوق الإنسان بياناً شديد اللهجة أدان فيه قيام رئيس البرلمان الجديد، هيبت الحلبوسي، بالاتصال المباشر بصحفيين وناشطين وتهديدهم على خلفية انتقادهم لأدائه.
واعتبر المركز أن هذا السلوك يمثل "أول انتهاك صريح" لحرية التعبير في الدورة الجديدة، وخرقاً واضحاً للدستور الذي يكفل نقد المسؤول العام. هذه التصرفات، إن صحت، تنذر بمرحلة من "تكميم الأفواه" واستخدام سلطة المنصب لترهيب الرقابة الشعبية، مما يضاعف المخاوف من تحول البرلمان إلى أداة لقمع الأصوات المعارضة للحزب الحاكم.
ويطرح المراقبون تساؤلاً جوهرياً: هل سيستمر هيبت الحلبوسي في هذا الدور "الظلي"؟ يرجح المحلل غالب الدعمي أن العلاقة قد لا تستمر بهذا النمط طويلاً؛ فمع مرور الوقت، سيبدأ رئيس البرلمان بالشعور بحساسية التدخل المباشر في شؤون إدارته للمجلس، وهو ما قد يؤدي إلى "توتر أو صدام" في حال حاول فرض استقلاليته، أو قد يؤدي إلى "خضوع كامل" ينهي أي أمل في إصلاح المؤسسة التشريعية.
توازن القوى المفقود
إن المشهد السياسي العراقي في ظل رئاسة هيبت الحلبوسي يقف أمام مفترق طرق: المسار الأول: نجاح هيبت الحلبوسي في فك الارتباط تدريجياً وتكريس "هيبة البرلمان" كمؤسسة مستقلة عن المزاج الحزبي.
أما المسار الثاني: تكريس واقع أن البرلمان "ملحق" بمقر الحزب، مما يقوض العملية الديمقراطية ويحول الرقابة التشريعية إلى صدى لقرارات الزعامات.
وفي النهاية، وما بين "هيبت" الشخص و"هيبة" المنصب، يظل الشارع العراقي يراقب بحذر. إن الدبلوماسية الرسمية، وبروتوكولات الجلوس، وسعة الصدر تجاه النقد، هي المعايير الحقيقية التي ستحكم على هذه الدورة البرلمانية. فهل يسقط النواب في فخ "الزعامة"، أم ينتصرون لـ"الدولة"؟ الأيام القليلة القادمة ستكشف ما إذا كانت رئاسة البرلمان هي فعلياً في "الخضراء" أم لا تزال تدار من "مضيف الكرمة".
