سبع مؤسسات حكومية تحت قبة المساءلة: البرلمان يتحرك مبكراً.. استضافات رقابية لاختبار كسر إرث الجمود والمحاسبة الغائبة
انفوبلس/..
ما إن أنهى مجلس النواب العراقي جلسته الثانية التي عُقدت يوم الاثنين 5 كانون الأول 2025، حتى أصدر بياناً أعلن فيه عزمه استضافة مسؤولي سبع مؤسسات حكومية الأسبوع المقبل داخل المجلس، في تحرك رقابي مبكر قد يكسر الجمود الذي رافق الدورة البرلمانية الخامسة.
في الدورة السابقة، فشل البرلمان بممارسة دوره الرقابي واكتفى بعدد قليل جداً من الاستضافات للمسؤولين، في خطوات فسّرها مراقبون، بأنها متماهية مع التقصير الذي رافق أداء الوزارات والمؤسسات الحكومية.
*مَن سيستضيف البرلمان؟
في هذا الصدد، قررت رئاسة مجلس النواب، يوم الاثنين الماضي، استضافة مسؤولي سبع مؤسسات حكومية الأسبوع المقبل داخل المجلس.
وذكرت الدائرة الإعلامية للمجلس في بيان، أن “رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي وجّه باستضافة مسؤولين في ديوان الرقابة المالية، وهيئة النزاهة، ومجلس الخدمة الاتحادي، ومجالس المحافظات، والبنك المركزي، إضافة إلى رئيس مؤسسة الشهداء ورئيس هيئة التقاعد”.
وأضاف البيان أن “الاستضافة ستجري في مقر المجلس الأسبوع المقبل”.
*اللجان أولاً
لكن قبل الخوض في عمليات الاستضافة، يسعى مجلس النواب لاستكمال تشكيل لجانه الدائمية، إذ جرى تحديد مهلة سبعة أيام أمام الكتل السياسية لتقديم مقترحاتها، لإكمال هذا الاستحقاق والانتقال بعدها إلى تفعيل الدور التشريعي والرقابي ومتابعة ملفات المال العام والخدمات التي تمس حياة المواطنين.
وفي هذا الجانب، يشير النائب عن كتلة "أبشر يا عراق" أحمد شهيد، إلى أنّ "رئاسة البرلمان شدّدت على أهمية الإسراع في استكمال البنية التنظيمية للمجلس، وفي مقدمتها تشكيل اللجان النيابية الدائمة، باعتبارها الأداة الأساسية لممارسة الدورين التشريعي والرقابي للمجلس".
وأوضح، أنّ "رئاسة مجلس النواب حددت مهلة سبعة أيام أمام الكتل النيابية لتقديم مقترحاتها بشأن تسمية أعضاء اللجان، بما ينسجم مع الاستحقاقات الدستورية ويعكس التمثيل النيابي الحقيقي"، مؤكداً أنّ "تأخير تشكيل اللجان ينعكس سلباً على أداء المجلس وقدرته على متابعة الملفات الخدمية والمالية والرقابية التي تهمّ المواطنين بشكل مباشر".
وأضاف شهيد، أنّ "مجلس النواب ماضٍ في تفعيل دوره الرقابي خلال المرحلة المقبلة، حيث سيستضيف الأسبوع المقبل عدداً من المسؤولين التنفيذيين ورؤساء الهيئات والمؤسسات المستقلة، من بينهم ديوان الرقابة المالية، وهيئة النزاهة، ومجلس الخدمة العامة الاتحادي، ومجالس المحافظات، والبنك المركزي العراقي، إلى جانب رئيس مؤسسة الشهداء ورئيس هيئة التقاعد".
وتأتي هذه الاستضافات، وفق شهيد، "في إطار متابعة أداء المؤسسات، وتقييم مستوى الالتزام بالقوانين النافذة، وتشخيص مواطن الخلل والمعالجات المطلوبة، فضلاً عن الوقوف على آليات إدارة المال العام وتقديم الخدمات، بما ينسجم مع تطلعات الشارع العراقي ويعزز مبدأ الشفافية والمساءلة".
وأكد شهيد، أن "المرحلة الحالية تتطلب تكاتفاً سياسياً ومسؤولية وطنية عالية لتسريع إنجاز الاستحقاقات البرلمانية، وضمان أن يكون مجلس النواب فاعلاً في حماية المال العام، وترسيخ استقلالية القرار الوطني، والاستجابة لأولويات المواطنين دون تأخير أو مجاملات سياسية".
*تحرك مبكر
التحركات المبكرة لمجلس النواب في مستهل دورته السادسة تعكس توجهاً واضحاً نحو كسر حالة الجمود وبدء العمل الرقابي دون تأخير، وإن استضافة عدد من المسؤولين التنفيذيين والرقابيين في هذه المرحلة تمثل مؤشراً إيجابياً على جدية الأداء النيابي، هذا ما يؤكده النائب علاء سكر، مشيرا في الوقت نفسه الى أن "جدول الاستضافات المرتقب، يعكس أولوية الملفات الخدمية والرقابية، ويؤسس لمرحلة مختلفة في أداء البرلمان، قوامها المتابعة الجادة والمساءلة المبكرة".
من حيث المبدأ، يمتلك مجلس النواب العراقي أدوات رقابية واسعة نص عليها الدستور والنظام الداخلي، تبدأ بالسؤال البرلماني، مروراً بالاستضافة، وانتهاءً بالاستجواب وسحب الثقة. غير أن الفجوة بين النص والتطبيق كانت شاسعة في الدورة السابقة. فقد تحولت كثير من هذه الأدوات إلى إجراءات شكلية، تستخدم للاستهلاك الإعلامي أو لتصفية حسابات سياسية، أكثر من كونها وسائل جادة لمحاسبة المقصّرين أو تصحيح مسار الأداء الحكومي.
لم يكن إخفاق البرلمان السابق في الجانب الرقابي نتيجة حادثة عابرة أو تقصير أفراد، بل نتاج نمط عمل متراكم. فالاستضافات غالباً ما كانت تنتهي دون توصيات واضحة أو قرارات ملزمة، بينما جرى تعطيل أغلب الاستجوابات إما بسحب تواقيع النواب، أو بعدم اكتمال النصاب، أو بتحويلها إلى “حوارات سياسية” تفتقر إلى الأسئلة الجوهرية.
*هيمنة منطق التوافق والمحاصصة
أحد أبرز أسباب الفشل الرقابي تمثل في هيمنة منطق “التوافق السياسي” والمحاصصة الحزبية على عمل البرلمان. فالوزراء ورؤساء الهيئات لم يُنظر إليهم بوصفهم مسؤولين تنفيذيين خاضعين للمساءلة، بل ممثلين لكتل سياسية نافذة. هذا الواقع جعل محاسبة أي مسؤول تعني عملياً الاصطدام بكتلة كاملة، ما دفع كثيراً من النواب إلى تجنب التصعيد خشية خسارة الدعم السياسي أو تعطيل مصالح متبادلة داخل البرلمان.
في هذا السياق، تأتي خطوة مجلس النواب الحالي باستضافة مسؤولي سبع مؤسسات حكومية كاختبار مبكر لنياته. فنجاح هذه الخطوة لن يقاس بعدد المستضافين أو عناوين الجلسات، بل بقدرة المجلس على تحويل الاستضافات إلى مساءلة حقيقية، ثم إلى قرارات واضحة، ومتابعة جادة، بعيدًا عن الصفقات والتسويات.
