نظام "سانت ليغو".. استقرار سياسي و"إجحاف" تمثيلي
انفوبلس..
مع اقتراب الانتخابات التشريعية الثالثة بتاريخ العراق بعد سقوط النظام السابق وهي انتخابات عام 2014، ظهر على الساحة نظام "سانت ليغو المُعدّل" لاحتساب الأصوات وتوزيع المقاعد النيابية لإيصال العملية السياسية إلى أقل قدر ممكن من الفائزين لتسهل عملية التحالفات وتشكيل الحكومة.
فبعد فشل قانوني الانتخابات البرلمانية عام 2010 بإنصاف الكتل الصغيرة والمتوسطة، وفشل قانون انتخابات مجالس المحافظات عام 2013 في خلق تحالفات مستقرة، اعتمد العراق في انتخاباته البرلمانية لعام 2014 على نظام "سانت ليغو المُعدّل 1.9" في محاولة للوصول إلى الاستقرار السياسي.
لم يكن قانون الانتخابات النيابية عام 2010 المعتمد على قانون «الباقي الأقوى» منسجماً مع الدستور العراقي، ما دعا بعض منظمات المجتمع المدني إلى رفع شكوى أمام المحكمة الاتحادية، التي أقرّت بدورها عدم اعتماد هذا النظام مرة أخرى.
وقبيل انتخابات مجالس المحافظات عام 2013، أقرّ البرلمان نظام «سانت ليغو»، الذي ينصف الكتل الصغيرة جداً من خلال احتساب المقاعد وفق تقسيم الأصوات على الأرقام الفردية (1،3،5،7،9)، وبحسب المقاعد المقررة لكل دائرة انتخابية (محافظة)، بمعنى أن تُقسّم مجمل الأصوات التي حصل عليها الكيان السياسي على الأرقام الفردية لاحتساب نسبة المقاعد التي يستحقها كل كيان.
وأدى هذا القانون إلى تأليف حكومات محلية هشّة في معظم المحافظات، نتيجة صعود القوائم الصغيرة جداً، وإجبار الكتل الكبيرة على التحالف مع الصغيرة، صاحبة المقعد أو المقعدين لتأليف الحكومات.
التحالفات التي أُنشِأت في العديد من مجالس المحافظات، كانت تعتمد على شخص أو اثنين لإعلان تأليف الحكومة المحلية، وهو ما فتح شهية الكتل الكبيرة الخاسرة لإقناع الكتل الصغيرة بإعادة التصويت على تأليف حكومة جديدة، كما كاد أن يحصل في محافظة البصرة، لولا التوافقات السياسية التي أجّلت بتّ الموضوع إلى ما بعد الانتخابات البرلمانية آنذاك.
هذا الأمر دعا البرلمان العراقي إلى إجراء تعديل جوهري على فقرة احتساب الأصوات وتوزيع المقاعد، بعدما أُقِر نظام «سانت ليغو المُعدّل» الذي يعتمد القسمة على الأرقام (1.6، ثم 3،5،7،9 الخ)، لإنصاف الكتل المتوسطة لا الصغيرة.
ورافق هذا التعديل اعتراض كردي لكونه يلغي اثنين من مقاعده التي حصل عليها وفق النظام الانتخابي للدورة الماضية، ما اضطر البرلمان إلى زيادة عدد المقاعد 3 أخرى، مقعدين للأكراد وواحد للأقلية الأيزدية في الموصل.
وكان القانون الانتخابي لعام 2010 يميل إلى الكتل الكبيرة جداً، لاعتماده على مبدأ «الباقي الأقوى»، الذي يحتسب العتبة الانتخابية وفقاً للمشاركين في الانتخابات وتقسيم الأصوات على المقاعد المقررة لكل محافظة، واحتساب المقاعد الخاصة بكل كتلة، لكنه يستبعد أصوات الكتلة غير الحاصلة على العتبة الانتخابية، الأمر الذي يؤدي إلى بقاء مقاعد شاغرة، تُوزَّع وفق هذا القانون على الكتل الأقوى وفقاً لنسب التصويت لمصلحتها، لكنه امتاز باعتماد نظام القائمة المفتوحة، التي تُتيح للناخب العراقي اختيار الشخصية المفضلة لديه، بعدما كانت في عام 2005 تعتمد نظام القائمة المغلقة، أي يختار العراقي القائمة فقط دون اختيار الأشخاص.
أما نظام «سانت ليغو» المعتمد في انتخابات مجالس المحافظات 2013، فقد أشعر الكتل الكبرى بالخسارة استراتيجياً وتكتيكياً، إذ إن النظام يتطلب تحالفات عدد كبير من الكتل والشخصيات المستقلة، ولاسيما أن القانون أنصف الكتل الصغيرة جداً، التي كانت جزءاً من التحالفات المؤلِّفة للعديد من الحكومات المحلية، وهو ما أدى إلى إقامة تحالفات هشّة في العديد من المحافظات، بعضها مهدّد بالإنهيار لانقلاب شخصية أو اثنتين من الكتل الصغيرة على تحالفاتها.
وكانت كتلة ائتلاف دولة القانون، التي يتزعمها رئيس الوزراء نوري المالكي، أشد تضرراً من هذا النظام، الذي أفاد التيار الصدري عندما دخل في قوائم صغيرة الى جانب قائمته الرئيسية (الأحرار)، وقلب الطاولة على دولة القانون في أهم محافظات العراق (البصرة وبغداد).
الدورات الانتخابية النيابية الخمسة وأنظمتها..
الدورة الانتخابية الأولى عام 2005:
كانت الدورة الانتخابية الأولى التي شهدتها البلاد بعد سقوط النظام السابق، وبداية الاحتلال الأميركي، وفي هذه الدورة تم اعتبار البلاد دائرة انتخابية واحدة، إضافة إلى إلزام اللوائح بإدراج سيدة لكل ثلاثة مرشحين ذكور، فيما لم يُسمح للأحزاب أو الجماعات التي تمتلك تشكيلات مسلحة بالمشاركة.
الدورة الانتخابية الثانية عام 2010:
تم إجراء هذه الدورة بعد تعديل القانون المعتمد عام 2005، ولعل أبرز التعديلات تمثلت في اعتماد الدائرة المفتوحة للمرة الأولى، في ظل توصيات دولية ومحلية، وتحت ضغط شعبي تمثل في خروج العديد من التظاهرات ووجود مخاطر بمقاطعة الانتخابات، الأمر الذي كان من شأنه أن يفقدها شرعيتها.
الدورة الانتخابية الثالثة عام 2014:
خاض العراق حينها الدورة الانتخابية الأولى منذ انسحاب الجيش الأميركي عام 2011، ولعل أبز التغييرات في قانون الانتخاب حينها تمثل في إلغاء قانون عام 2005 وتعديلاته كافة، على أن يتألف المجلس النيابي من 320 نائباً يتوزعون على المحافظات، إضافة الى 8 مقاعد للأقليات.
كما تم اعتماد نظام "سانت ليغو المُعدّل 1.9"، وهو نسخة معدّلة عن النظام الأساسي الذي ابتُكِر في العام 1902، ويُستخدم في فرز الأصوات عبر توزيعها على المقاعد الانتخابية في الدوائر التي تتعدد فيها المقاعد، وتضمن هذه الآلية حماية حق الكتل الصغيرة.
أما في ما يخص آلية الترشّح، فيتم ذلك وفقاً للقائمة المفتوحة، على أن لا يقل عدد المرشحين في القائمة الواحدة عن 3، كما يحق للناخب التصويت للقائمة أو أحد المرشحين، كما تم السماح بالترشّح فردياً.
الدورة الانتخابية الرابعة عام 2018:
كانت الدورة الانتخابية الأولى في البلاد بعد إعلان هزيمة "داعش" في العام 2017، وفي هذه الدورة تم اعتماد القانون الانتخابي المعدّل عام 2017، والذي يُقسّم البلاد باعتبار كل محافظة دائرة انتخابية، واستخدام نظام "سانت ليغو المعدّل 1.7"، كما تم إقرار 8 مقاعد "كوتا" للأقليات.
الدورة الانتخابية الخامسة عام 2021:
وهي الانتخابات النيابية العراقية المبكرة التي أعقبت تظاهرات تشرين، وتم خلالها اعتماد القانون الانتخابي الذي تم تعديله عام 2019، والذي ينص على تقسيم البلاد إلى 83 دائرة انتخابية، من دون الاعتماد على المحافظات، إضافة إلى اعتماد نظام الترشح الفردي ونظام الصوت الواحد، كما تم إلغاء المواد المتعلقة بفائض الأصوات.
وعلى مستوى توزيع المقاعد، فإن البرلمان الجديد سوف يراعي التركيبة السكانية، وسيكون لكل قضاء ممثل واحد أو أكثر، على مبدأ أن لكل مئة ألف مواطن نائباً واحداً، على أن يتم دمج الأقضية ذات الكثافة السكانية المنخفضة بأقرب قضاء كبير، أما فيما يتعلق بآلية الفرز، فلن يتم الاعتماد على نظام "سانت ليغو"، على أن يُعتبر المرشح الحائز بأكبر قدرا من الأصوات فائزاً.
إيجابيات وسلبيات "سانت ليغو"..
لهذا النظام الانتخابي العالمي العديد من الإيجابيات إذا طُبّق بطريقة عادلة بعيدة عن التزوير والمخالفات القانونية، سيما وأنه استُخدِم بشكل فعلي في نيوزلندا والنرويج والعديد من دول العالم.
الإيجابيات:
1- يحافظ على أصوات الناخبين إذا طُبّق بطريقة القواسم الفعلية.
2 -في حالة عدم تحقيق نسبة الـ (25 %) بالنسبة لكوتا النساء والتي تضمّنها الدستور العراقي في البند رابعاً يجري استبدال مقعد مخصص للرجال ومنحه لواحدة من النساء.
3 -يمكن أن تُحصر المشاركة في الانتخابات بين الأحزاب المتنافسة.
أما السلبيات فيمكن تلخيصها بالآتي:
1- النظام يستند بشكل أساسي على مقاعد المكونات وهذا يجعله مقيداً بنظام المحاصصة وتوزيع المقاعد.
2 -يُعطي فرصة كبيرة لهيمنة الأحزاب الكبيرة ولا يمنح فرصة للأحزاب والكتل الصغيرة.
3- قد يكون هذا النظام فرصة لصعود بعض المرشحين الخاسرين بالأصوات بذريعة المقعد التعويضي.
إيجابيات وسلبيات قانون "الدوائر المتعددة" المُعتمَد في الانتخابات الأخيرة..
الاستاذ في القانون علي الإزيرجاوي، أوضح إيجابيات وسلبيات قانون الانتخابات الجديد الذي صوت عليه البرلمان، مبينا أنه أفضل من القانون السابق.
وقال الإزيرجاوي في توضيح عن قانون الانتخابات، إن "تشريع القانون الانتخابي الذي يعتمد الترشيح الفردي والدوائر المتعددة والفائز الأكثر أصواتاً على مستوى الدائرة يحمل في طياته إيجابيات وأخرى سلبيات فضلاً عن العيوب".
وبيّن أن هذه الإيجابيات تشمل ما يلي:
• يُساهم في صعود المستقلّين.
• إفراز تمثيل قريب للناخب.
• الفائز يكون الأكثر تاييداً في الدائرة الانتخابية.
• يساعد الناخب على التعرّف أكثر على البرنامج الانتخابي للمرشح.
• تقليل سطوة الأحزاب السياسية على المرشحين والنواب.
• يحدّ من القفز من محافظة إلى أخرى.
• يُلغي رمزية الزعامات أو رؤساء الكتل.
• تشتّت الأحزاب ومناصريها.
• يحدّ من رمزية الزعامات العشائرية والدينية والقومية.
• لا يحتاج المرشح مبالغ مالية عالية للدعاية الانتخابية لاقتصاره على رقعة جغرافية معينة.
• سهولة تطبيق النظام وفرز الأصوات.
وأضاف: أما السلبيات فهي تتلخص فيما يلي:
• هدر كم كبير من أصوات الناخبين.
• لا يُساهم في استقرار النظام لدورتين في أقل تقدير.
• سهولة تسخير المال الفاسد لكسب الأصوات.
• صعوبة تمرير القوانين في البرلمان.
• صعوبة تشكيل الحكومة.
• صعوبة تحقيق الأغلبية في البرلمان.
• حرمان الأقليات من التمثيل.
• حرمان بعض الأقضية من التمثيل.
• صعوبة احتساب الكوتا.
• المشاركة المتدنية خطر أو عدو هذا النظام لكونها تصبّ لصالح الأحزاب.
ولفت الازيرجاوي إلى أنه لا يوجد قانون (أمثل) بل يوجد قانون مثالي لدولة معينة، ولا نقول إن القانون (أعدل) بل يحقق نوع من العدالة، مع التذكير أن الديمقراطية عملية تراكمية يمكن تصحيح وإضافة ما هو إيجابي عليها مستقبلاً.
هل يعود النظام الانتخابي في العراق إلى "سانت ليغو"؟
مطلع العام الحالي 2023، كشف رئيس ائتلاف "دولة القانون" نوري المالكي، عن "اتفاق الأطراف السياسية على تغيير قانون الانتخابات، والعودة إلى قانون سانت ليغو وفق القاسم الانتخابي 1.7، حيث تكون فيه المحافظة دائرة انتخابية واحدة لا دوائر صغيرة". وأكد، "هذا ما اتفقت عليه الأطراف التي شاركت في لجنة تعديل القانون، وقدّمت بها مسودة سنناقشها في اجتماعات الإطار التنسيقي وائتلاف إدارة الدولة".
تبعَ هذا التصريح تأكيد العديد من القيادات السياسية في ائتلاف دولة القانون برئاسة المالكي، على ضرورة إجراء الانتخابات المحلية وفقا لنظام سانت ليغو من دون الذهاب نحو نظام الدوائر المتعددة كما حصل في الانتخابات البرلمانية التي أثارت لغطاً كبيراً عند إجرائها.
وذكرت أن السلطة التنفيذية متمثلة بحكومة السوداني لديها تحركاتها لإجراء انتخابات مجالس المحافظات وفق الموعد المحدّد لها وفق البرنامج الحكومي. مضيفة، أن إجراء الانتخابات وفق نظام سانت ليغو أصبح ضرورة ملحّة من أجل جعل كل محافظة عبارة عن دائرة واحدة، من دون الخوض في نظام الدوائر المتعددة.
وأضافت، أن الدوائر الصغيرة المتعددة أربكت عمل المفوضية وقامت بتشتيت الناخبين، فضلًا عن كونها جزّأت الكتل السياسية حيث أدى لمشاكل في الاتفاقات السياسية وعرقلة للعملية السياسية كما حصل في الانسداد السياسي، مشيرة إلى أنّ التغييرات التي ستحصل في القانون غرضها تنظيم العمل السياسي بعد أي تجربة انتخابية وعدم الوقوع بذات الأخطاء الأخيرة.
على الجانب الآخر، حذّرت حركة امتداد -الفائزة بـ11 مقدعاً في الانتخابات الأخيرة- من تغيير قانون الانتخابات الحالي وإرجاعه إلى سانت ليغو، ملوّحة بالنزول الجماهيري إلى الشارع وتدويل القضية بحال قامت الأغلبية في مجلس النواب العراقي بتغيير القانون.
وقال رئيس المكتب السياسي للحركة رائد الصالح، إن "قانون الانتخابات الحالي هو نتاج لثورة عظيمة ولتضحيات جسيمة، حيث سالت دماء أكثر من 800 شهيد من أجل هذا المكتسب المهم لثورة تشرين، ولا يمكن أن نسمح للآخرين التلاعب بهذا القانون، إلا ما دوّنته المحكمة الاتحادية من ملاحظات، بخصوص العد والفرز اليدوي، وأيضا ما يخص الكوتا النسائية".
النائب عن "الإطار التنسيقي"، محمد الصيهود، كشف أن "معظم القوى السياسية ترى قانون الانتخابات السابق سبباً في الكثير من المشاكل، ومجلس النواب ينتظر وصول القانون الجديد من الحكومة الجديدة". واعتبر أن "القانون السابق تسبّب بمشاكل تطورت إلى مشاحنات غير اعتيادية بين القوى السياسية". وأضاف: "بكل الأحوال لا يزال الوقت مبكراً للحديث عن القانون، لأنه سيخضع لنقاشات كثيرة على مستوى اللجان البرلمانية من جهة، والأحزاب من جهة ثانية".
بدوره، وجد النائب المستقل، هادي السلامي، أن "السعي لإعادة قانون (سانت ليغو) بنسخته السابقة والمرفوضة من الشعب العراقي والقوى الوطنية، هي محاولة للنيل من كل فرص الإصلاح في البلاد، ومحاولة العودة إلى المربع الأول وعدم تقدّم عجلة التغيير". وأكد أن "القوى الوطنية والأحزاب الجديدة لن تسمح بذلك، لأن توجّه الأحزاب الكبيرة حالياً، وهي خاسرة في الانتخابات البرلمانية الماضية، هو إقصاء الأحزاب الجديدة التي تشكلت بعد انتفاضة تشرين الأول 2019، ومنع صعود الشخصيات الوطنية والمستقلة إلى المناصب".