أرتال الأحزاب تخنق بغداد.. "الزيّ الأسود" في قلب التقاطعات: مَن يحكم الجادرية والكرادة.. المرور أم "المسلحون"؟
انفوبلس/ تقرير
في بغداد، لم يَعُد الازدحام المروري مجرد نتاجٍ طبيعيٍّ لزيادة أعداد السيارات أو ضيق الشرايين الحيوية للمدينة، بل تحول إلى مشهد من مشاهد "استعراض النفوذ" وصراع الهويات فوق الإسفلت. خلف المِقوَد، يقضي المواطن البغدادي ساعات من عمره، لا لشيء، إلا لأن تقاطعاً حيوياً تم "اختطافه" لحظياً، ليس بفعل خلل فني في الإشارة الضوئية، بل بأمر من أصابع ترتدي قفازات سوداء، تتبع جهات "فوق القانون"، تاركةً رجل المرور الرسمي في موقف لا يحسد عليه: شاهد عيان بمرتبة "مكسور الخاطر".
ما وصلت إلى "انفوبلس" من شهادات حيّة، وصور، ومقاطع فيديو، يرسم ملامح "دولة موازية" تُدير الشارع بمزاجية حزبية، وتعتبر "حق المرور" امتيازاً سياسياً لا حقاً مدنياً.
هذا المشهد، الذي تكرّر خلال الأسابيع الماضية في أكثر من نقطة حيوية في بغداد، يطرح سؤالًا يتجاوز الزحام نفسه: مَن يحكم الطريق في العاصمة؟ القانون، أم النفوذ السياسي المسلّح؟
خارطة "الاختطاف اللحظي": الجادرية والكرادة نموذجاً
بحسب التوثيقات الميدانية وشهادات المواطنين، فإن المربع الحيوي الممتد من تقاطع الطابقين في الجادرية وصولاً إلى تقاطع الحرية ومداخل الكرادة، تحول إلى ساحة نفوذ علنية لما يُعرف بـ "أصحاب الزيّ الأسود".
هؤلاء العناصر يرتدون زيّاً موحداً بلا رتب عسكرية، ولا شارات تدلّ على تبعيّتهم لوزارة الداخلية أو الدفاع، أو حتى جهاز مكافحة الإرهاب. يظهرون فجأة في ذروة الازدحام، يترجلون من سيارات دفع رباعي مظللة بالكامل بلا لوحات تسجيل، ويمسكون بزمام التقاطع. بإشارة يد واحدة، يتوقف مئات المواطنين، وتُفتح المسارات لـ "الرتل المجهول - المعلوم"، في عملية تخرق كل قوانين السير الدولية والوطنية.
انكسار "البزّة الرسمية": "أوامر من فوق"
الشهادة الأكثر إيلاماً في هذا التحقيق تأتي من داخل المؤسسة الأمنية نفسها. مواطنون وثّقوا حوارات مع رجال مرور في تقاطعات الجادرية، حيث بدَت عليهم علامات العجز والارتباك.
يقول أحد المواطنين: "سألت شرطي المرور، لماذا تتركهم يقطعون الطريق ونحن ننتظر منذ ساعة؟ فأجابني بصوت منخفض ومرارة واضحة: هؤلاء تابعون لأحزاب ومسؤولين، وعندنا أوامر بتسهيل مرورهم.. ليس بيدنا شيء".
هذا "العجز الرسمي" يحول شرطي المرور من حارس للقانون إلى مجرد "ديكور" في التقاطع، حيث تنتقل سلطة القرار من صافرة القانون إلى "كلاشنكوف" الحماية الحزبية. الأخطر من ذلك هو اعتراف مديرية المرور العامة (في ردها الرسمي على استفساراتنا) بعدم وجود مخالفات، واصفةً الأمر بـ "أعمال صيانة"، وهو رد يتناقض تماماً مع ما توثّقه كاميرات الهواتف الذكية للمواطنين يومياً، مما يكشف عن "فجوة إنكار" رسمية تُشرعن الفوضى.
سيكولوجيّة "الزيّ الأسود": مَن يحكم الطريق؟
إن ظاهرة "الزيّ الأسود" بلا شارات رسمية تُكرّس فكرة "المليشيا الإدارية" داخل الدولة. فالمواطن لا يعرف مَن هو الشخص الذي يُوقفه؛ هل هو عنصر أمني نظامي؟ أم حماية شخصية لمسؤول؟ أم فرد في تنظيم حزبي؟
هذا الغموض المتعمد، يُلقي رهبةً في نفوس المواطنين ويمنعهم من الاعتراض. ففي بغداد، "السيارة المظللة والزيّ الأسود" هما شفرة القوة التي لا تُناقش. وحين يرى المواطن أن "موكباً" يمرّ في ثوانٍ بينما يعلق هو لساعات، يتولّد لديه شعور عميق بالدونيّة تجاه السلطة، وبأن القانون ليس إلا سياطاً تُرفع بوجه الضعفاء فقط.
هذا السلوك لا يخلق أزمة مرور فحسب، بل يكرّس في ذهن المواطن فكرة أخطر: أنّ المسؤول والحزب فوق القانون، وأنّ "الحق في المرور" ليس حقًا عامًا متساويًا، بل امتيازًا سياسيًا يُمنح لمن يملك رتلًا وحماية وسلاحًا.
ضريبة النفوذ: شلل في عصب الحياة
ليست القضية مجرد تأخير، بل هي "شلل اقتصادي واجتماعي" يدفع ثمنه المواطن وحده – بحسب مراقبين - فقد وثقت مقاطع فيديو سيارات إسعاف تطلق صافراتها وسط زحام الجادرية الخانق، دون أن يتحرك "أصحاب الزيّ الأسود" لفتح طريق لها، لأن الأولوية المطلقة هي لتأمين عبور "الرتل الحزبي" الذي لا يتوقف لأي طارئ إنساني، بالإضافة الى ضياع آلاف الساعات يومياً من وقت الموظفين والطلبة والعمال. هذا التأخير يترجم إلى خسائر مادية وإجهاد نفسي يرافق المواطن طوال يومه.
كما أن الجادرية والكرادة، بوصفهما مداخل للمنطقة الخضراء ومقرات الأحزاب، تحولتا إلى "سجون مفتوحة" يُمنع الدخول إليها أو الخروج منها وفقاً لمواعيد تحرك المواكب السياسية.
هنا لا يعود الازدحام قدرًا سيئًا، بل نتيجة مباشرة لقرار سياسي – أمني يُعطي الأفضلية المطلقة لمرور "النخبة الحزبية" على حساب آلاف المواطنين العاديين، دون أي إطار قانوني علني ينظّم ذلك أو يبرّره.
تساؤلات مشروعة أمام طاولة الحكومة
إن ما يجري يضع الحكومة العراقية، وتحديداً وزارة الداخلية، أمام استحقاقات قانونية وأخلاقية لا تقبل التأجيل: أين السيادة في الشارع؟ إذا كانت وزارة الداخلية لا تستطيع حماية "شرطي المرور" من تَغوّل حمايات الأحزاب، فكيف يمكنها إقناع المواطن بجدوى الإصلاح الأمني؟
ومَن هم أصحاب الزيّ الأسود؟ لماذا يُسمح لأفراد لا يحملون هويات تعريفية واضحة بإدارة حركة السير في عاصمة الدولة؟ وبأي قانون يمتلك هؤلاء سلطة إيقاف المواطنين؟ وأين "المنصة الإلكترونية" والرقابة؟ وفي بلد يتحدث عن الأتمتة والكاميرات الذكية، كيف تغفل هذه الكاميرات عن رصد أرتال تخرق السير عكس الاتجاه وتغلق التقاطعات بقوة السلاح؟
العدالة تبدأ من "الإشارة الضوئية"
الشارع هو "المختبر اليومي" للديمقراطية والعدالة. لا يمكن الحديث عن بناء دولة مؤسسات طالما أن هناك فئة ترى في "اللون الأحمر" للإشارة الضوئية إهانة لمكانتها السياسية. إن كسر القانون في التقاطع هو التمهيد لكسره في العقود المالية، وفي التعيينات، وفي مفاصل الدولة كافة.
العدالة في المرور تعني أن "سيارة المسؤول" تقف خلف "سيارة الأجرة" إذا كانت الإشارة حمراء. وحين يرى المواطن هذا المشهد، سيبدأ فعلياً بالإيمان بأن هناك دولة. أما ما يحدث الآن في الجادرية والكرادة، فهو "إقطاعيات مرورية" تعيدنا إلى عصور ما قبل الدولة، حيث الحق للقوي، والطريق لمن يملك السلاح الأكبر.
القانون أم "الرتل"؟
إن صمت وزارة الداخلية، وردّ مديرية المرور الذي ينفي الواقع، يضعنا أمام حقيقة مرّة: "القرار في شارع بغداد ليس لوزارة الداخلية، بل لموازين القوى السياسية". المواطن العراقي لم يعد يطالب بتبليط الشوارع فقط، بل يطالب بـ "استعادة التقاطعات" من براثن النفوذ الحزبي.
إن بقاء "الزيّ الأسود" بلا محاسبة، وبقاء شرطي المرور "مكسور الخاطر"، هو أكبر دليل على أن شعارات "فرض القانون" لا تزال تقف عاجزة عند مدخل الجادرية. والشارع العراقي اليوم يطرح سؤالاً واحداً: هل نحن في دولة يحكمها الدستور، أم في "ترافيك لايت" تحكمه الأحزاب؟
