انخفاض غير مسبوق لحرائق العراق في 2025 بعد حملات إغلاق ودعم أمني مكثف
أرقام رسمية تكشف تحولا لافتا
انفوبلس..
رغم سجل العراق المثقل بحرائق مدمّرة حصدت أرواح المئات وألحقت خسائر واسعة بالممتلكات، تشير بيانات رسمية حديثة إلى تحوّل لافت في منحنى هذا الملف الشائك، فقد أعلنت مديرية الدفاع المدني تسجيل انخفاض غير مسبوق في معدلات حوادث الحرائق خلال عام 2025، نتيجة إجراءات مشددة ودعم حكومي مباشر، في وقت لا تزال فيه تحديات الإهمال وضعف التشريعات تشكل تهديدًا قائمًا لسلامة الأرواح والمنشآت.
انخفاض غير مسبوق في أعداد الحرائق
أعلنت مديرية الدفاع المدني العراقية تسجيل تراجع حاد في أعداد حوادث الحرائق خلال عام 2025، في مؤشر وصفته بـ”الإيجابي وغير المسبوق” مقارنة بالسنوات السابقة.
وبحسب مدير قسم العلاقات والإعلام في المديرية، نؤاس صباح شاكر، فإن العراق سجّل خلال عام 2022 نحو 32 ألف حادث حريق، باستثناء إقليم كردستان، فيما لم تتجاوز الحوادث المسجلة خلال عام 2025 حاجز 5 آلاف حادث فقط، وهو ما يمثل انخفاضًا كبيرًا في معدلات الخطر.
ويرى مختصون أن هذا التراجع، في حال استمراره، قد يشكّل نقطة تحوّل حقيقية في ملف السلامة العامة، الذي ظل لسنوات طويلة أحد أكثر الملفات إهمالًا وتسببًا بالخسائر البشرية والمادية في البلاد.
إجراءات صارمة ودعم حكومي مباشر
وتعزو مديرية الدفاع المدني هذا الانخفاض إلى جملة من الإجراءات الصارمة والدعم الاستثنائي الذي وفّرته وزارة الداخلية خلال العامين الأخيرين. وأوضح شاكر أن وزير الداخلية قدّم دعمًا “حقيقيًا ومباشرًا” أسهم في تعاظم قدرات المديرية، سواء على مستوى البنية اللوجستية أو الإمكانات البشرية.
وشمل هذا الدعم تزويد الدفاع المدني بأسطول حديث من العجلات التخصصية، إلى جانب إدخال عجلات الاستجابة السريعة والطائرات ضمن مهام المديرية للمرة الأولى، وفق دراسة فنية أُعدّت بإشراف مدير عام الدفاع المدني اللواء الحقوقي محسن كاظم علك.
وتُعد هذه الخطوة تحولًا نوعيًا في أساليب الاستجابة السريعة للحوادث، خصوصًا في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية.
الزخم المروري.. عقبة مستمرة أمام فرق الطوارئ
ورغم التحسن الملحوظ في المؤشرات، لا تزال تحديات ميدانية تعيق عمل فرق الدفاع المدني، وفي مقدمتها الزخم المروري الخانق، ولا سيما في العاصمة بغداد.
وأشار شاكر إلى أن الازدحامات، خصوصًا في مركز المدينة، تشكّل عقبة حقيقية أمام سرعة وصول فرق الإطفاء والإنقاذ إلى مواقع الحوادث، ما قد يفاقم حجم الخسائر في بعض الحالات.
ودعا المسؤول في الدفاع المدني إلى تعاون أكبر من المواطنين والجهات المعنية لضمان انسيابية حركة آليات الطوارئ، مؤكدًا أن سرعة الاستجابة تظل عنصرًا حاسمًا في تقليل الخسائر البشرية والمادية.
حريق الكوت… نقطة التحوّل الحاسمة
ويجمع مسؤولون ومراقبون على أن حريق “مول الهايبرماركت” في مدينة الكوت، خلال يوليو/تموز الماضي، شكّل نقطة الانطلاق الفعلية لتشديد إجراءات السلامة.
فقد أودت تلك الحادثة المأساوية بحياة أكثر من 100 شخص، بينهم أطفال، ما أثار موجة غضب شعبي واسعة ودفع السلطات إلى تحرّك عاجل.
وبحسب مديرية الدفاع المدني، وجّه القائد العام للقوات المسلحة بإغلاق جميع المشاريع المخالفة لشروط السلامة، وعدم السماح بإعادة افتتاحها إلا بعد استيفاء المتطلبات القانونية والفنية بالكامل، في خطوة وُصفت بأنها الأكثر حزمًا منذ سنوات.
إغلاق أكثر من 10 آلاف منشأة مخالفة
في أعقاب تلك التوجيهات، كثّفت لجان الدفاع المدني حملاتها التفتيشية استنادًا إلى ملفات كشف سابقة، ما أسفر خلال عام 2025 عن إغلاق أكثر من 10 آلاف موقع ومشروع مخالف في بغداد ومختلف المحافظات.
وشملت هذه الإجراءات فنادق ومشاريع تجارية كبرى، لاسيما في المناطق الحيوية والأسواق المكتظة مثل الشورجة.
وأكدت المديرية أن هذه المنشآت أُغلقت لعدم مطابقتها متطلبات السلامة والوقاية، موضحة أن إعادة فتحها مشروطة بتركيب أنظمة الإنذار المبكر، وكواشف الحريق، وأنظمة الإطفاء الرطبة والجافة، فضلًا عن توفير مخارج طوارئ وإزالة التجاوزات الخطرة.
الإهمال والتشريعات الغائبة وراء الكوارث
ورغم تراجع أعداد الحرائق، لا يزال ناشطون وحقوقيون ينتقدون ما يصفونه بضعف الخطط الحكومية وغياب التشريعات الرادعة.
ويؤكد مسؤول في الدفاع المدني ببغداد، فضّل عدم الكشف عن اسمه، أن ارتفاع معدلات الحرائق في السنوات الماضية يعود إلى مجموعة عوامل، من بينها الإهمال، والتجاوزات على الشبكات الكهربائية، وأخطاء بشرية، إضافة إلى تأثيرات التغير المناخي.
ويشير المسؤول إلى أن معظم المباني التي شُيّدت خلال العقدين الماضيين تفتقر إلى أبسط وسائل السلامة، محمّلًا مسؤولية ذلك لجهات حكومية متعددة، وليس الدفاع المدني وحده.
مطالبات برلمانية وحقوقية بالمحاسبة
من جهته، يرى النائب السابق معين الكاظمي أن البرلمان أخفق في دورته السابقة بتمرير قوانين مهمة تتعلق بالسلامة العامة، رغم فاجعة حريق الكوت، بسبب غياب الأعضاء وتعطّل التشريعات. ويؤكد أن مجلس النواب الجديد مطالب بإعادة فتح هذه الملفات وتمرير القوانين المؤجلة، خصوصًا ما يتعلق بمحاسبة المقصرين.
بدورها، تشدد الناشطة الحقوقية نورا أحمد على أن غياب المحاسبة يمثل عاملًا رئيسيًا في تكرار الكوارث، مؤكدة أن معظم منظمات المجتمع المدني طالبت مرارًا بتشريع قانون شامل للسلامة العامة، دون جدوى حتى الآن.
ورغم المؤشرات الإيجابية المسجلة خلال عام 2025، يرى مراقبون أن هذا التحسن يبقى هشًا ما لم يُدعّم بتشريعات صارمة، ومحاسبة حقيقية، واستدامة للإجراءات الرقابية. فملف الحرائق في العراق لم يعد قضية فنية فحسب، بل اختبارًا حقيقيًا لجدية الدولة في حماية أرواح مواطنيها ومنع تكرار المآسي.