الحدباء تُبعث من جديد.. اليونسكو تقترب من إنهاء العمل بترميم المنارة الحدباء في الموصل
انفوبلس..
بعد تفجيرها على يد قوى الظلام الإرهابية المتمثلة بعصابات داعش، تقترب منظمة اليونسكو بالتعاون مع وزارة الثقافة العراقية من إعادة ترميم المنارة الحدباء التابعة لجامع النوري بمدينة الموصل، في عمل بدأ عام 2018 ومن المقرر أن يكتمل خلال العام الجاري 2023.
المتحدث باسم وزارة الثقافة والسياحة والآثار أحمد العلياوي أعلن تواصل أعمال إعادة إعمار منارة الحدباء في الجامع النوري في المدينة القديمة من الموصل.
وقال، إن الحديث عن منارة الحدباء التاريخية هو ضمن مشروع إعمار كبير تقوده منظمة اليونسكو بتمويل يفوق 50 مليون دولار، وأنّ فِرق اليونسكو من خبراء ومستشارين شخّصوا واقع المبنى الأثري، وقاموا بحصر الأجزاء التي سقطت من المنارة، وتم اتخاذ القرارات اللازمة لتدعيم المنارة من جهة، والحفاظ على أساساتها من جهة أخرى.
وأضاف، إنّ منظمة اليونسكو حسمت الجدل بقرار إعادة بناء الجزء المدمّر من المنارة الحدباء بطبقاتها السبعة ونقوشها التاريخية، فوق الجزء المتبقي من أساسها، وعدم اختيار موقع جديد للبناء، بعد التأكد من قدرة وكفاءة الأساسات، وعدم تضررها من اهتزاز الانفجار الذي طالها، عبر مراكز تحليل الإنشاءات والجهد الهندسي للمنظمة.
وأشار إلى، أنّ القرار جاء للحفاظ على العمق التاريخي والحضاري للمبنى، مبينًا أنّ الأعمال تجري بمشاركة وزارة الثقافة والسياحة والآثار، فضلا عن الهيئة العامة للآثار والتراث، بالإضافة لخبراء استشاريين من جامعة الموصل.
وأكّد، إنّ هناك عمليات إضافية للإعمار، تمثلت بجمع القطع الأثرية المتناثرة من المنارة وصيانتها، تمهيدًا لمحاولة إعادتها ضمن البناء الجديد، موضحًا أنّ المنارة ستعود جميع قطعها كما كانت. وتضمنت أعمال الإعمار أيضًا، الحفر وصولاً إلى قاعدة المنارة للتأكد من قدرة أساساتها على حمل الثقل الذي سيُضاف فوق المتبقي من الانفجار، مؤكدًا أنّ عمليات الإعمار مستمرة على قدم وساق، من أجل إكمال منارة الحدباء في أسرع وقت ممكن وبجميع قطعها التاريخية.
وقال رئيس مؤسسة (إرث) الفرنسية المعنية بالحفاظ على الثقافة والتراث العراقيين شاذل نواف طاقة، إن العراق بلد فيه كفاءات كبيرة كفيلة بإظهار الوجه الحضاري المشرق لبلاد عمرها آلاف السنين.
وأضاف طاقة، إن العراق من أكثر البلدان استعدادا للاستجابة لدورة حياة جديدة في أعماق الثقافة والفن والبحث العلمي والتفاعل مع الثقافات العالمية، فيما كانت مؤسسة -إرث- تشارك في ندوة رعتها جريدة أوريون 1 الفرنسية واتحاد الطلبة العرب في باريس تحت شعار (العراق.. عشرون عاماً بعد الغزو) وتحدث خلال الندوة ثلاثة خبراء فرنسيين متخصصين بالشأن العراقي مستعرضين الأوضاع في العراق بعد الغزو.
اليونسكو ومبادرة إحياء روح الموصل
مدير مكتب اليونسكو في العراق باولو فونتاني، كشف أن مبادرة، إحياء روح الموصل، التي تشتمل على إعادة إعمار جامع النوري والمنارة الحدباء وكنيسة الساعة وكنيسة الطاهرة والتي انطلقت عام 2018 وتعرقلت لفترة بسبب جائحة وباء كورونا كوفيد – 19، تمضي الآن قُدُماً نحو مراحلها النهائية.
وأشار، إلى أن مراحل إعادة الإعمار وصلت لنسب متباينة بين موقع وآخر اعتمادا على حجم الدمار وأنه يعتقد أن تكتمل إعادة أعمار كل هذه المواقع بحلول نهاية عام 2023 .
وقال فونتاني، بعد إطلاقها في فبراير/ شباط 2018، ثم في خريف 2018 بالشراكة مع دولة الإمارات، بدأ العمل بالمرحلة التحضيرية لإعادة إعمار وتأهيل جامع النوري والمنارة الحدباء، وسلمّت الحكومة العراقية الموقع للـ "يونسكو" في فبراير/ شباط 2019 تمهيداً لإزالة الألغام والأنقاض ودعم الهياكل الباقية.
ووسط الأنقاض، وُجِدت قطع قيّمة تبين أنه يمكن إعادة استخدامها خلال مرحلة إعادة الإعمار. وجرى عزل أجزاء المبنى القيمة عن الأنقاض بتوجيه من خبراء دوليين، وتخزينها في مستودع آمن، قبل أن يبدأ طلاب مدربون من أقسام الآثار والعمارة والهندسة في جامعة الموصل ترميمها.
وفي عام 2020،أجرى الخبراء توثيقاً هيكلياً لأربعة مواقع أثرية في جامع النوري التي جرى تجهيزها لإعادة البناء، كذلك أطلقت يونسكو، في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام نفسه، مسابقة دولية لاختيار تصميم للجامع. وفي عام 2021، أجرت "يونسكو" أعمال تثبيت وحفريات في المباني، سمحت بتحقيق اكتشاف استثنائي تحت مسجد النوري، تمثل في أربع غرف أسفل قاعة الصلاة تعود إلى القرن الثاني عشر. ودُمج هذا الاكتشاف في التصميم التفصيلي للمُصلى، وستبدأ إعادة بنائه في الأشهر المقبلة، وعملنا مع الهيئة العامة للآثار والتراث العراقية، على أن يكون الاكتشاف الجديد متحفاً حيث سيتمكن الناس من التعرف على مراحل مختلفة من تاريخ المسجد.
وفي عام 2022، باشرنا الأعمال النهائية لإعادة بناء جامع النوري وكنيستي الساعة والطاهرة، والتي نتوقع أن تنجز نهاية العام الحالي، فيما ستستمر أعمال إعادة بناء المنارة الحدباء حتى ربيع 2024، وقد تأخر إكمال هذه الصروح بسبب تعقيدات إنشائية واجهتها خطط الحفاظ على الشكل التاريخي، علماً أنه تُستخدم المواد والتقنيات التقليدية في أعمال جميع مواقع البناء والأحجار الأصلية، بهدف ضمان الجودة العالية واحترام التراث والقيمة الدينية والفنية للمكان.
وتابع: خُصص مبلغ 110 ملايين دولار لتنفيذ المبادرة بمساهمة "يونسكو"، وقدمت دولة الإمارات والاتحاد الأوروبي ثلثي المبلغ، كما شاركت 14 جهة ومنظمة دولية في المُبادرة. وبالنسبة إلى الأعمال، فقد أُبِطل مفعول 20 عبوة ناسفة وقنبلة وُضِعت تحت مصلى جامع النوري، ورفع 12,047 طناً من الأنقاض من مواقع المشاريع الرئيسية (2480 من كنيسة الطاهرة و1600 من كنيسة الساعة و5860 من مسجد النوري ومنارة الحدباء، و2107 أطنان من المنازل التراثية). كذلك، انتشلت 45,000 قطعة أصلية من جامع النوري ومئذنة الحدباء ونظّفت وجُهّزت لعملية إعادة البناء، وجرى استخدام 83 طناً من الخشب لتدعيم الهيكل الجديد لجامع النوري. أيضاً أُعيد تأهيل نحو 130 منزلاً سكنياً تاريخياً في مدينة الموصل القديمة، وجرى توفير 3152 فرصة عمل لإنجاز أعمال الترميم والتأهيل والبناء في تلك الصروح. وفي إطار برنامج منع التطرف العنيف من خلال التعليم، جرى تدريب أكثر من 8000 معلم وولي أمر، ودعم 50,000 تلميذ في الموصل، إضافة إلى ترميم 109 فصول دراسية في محافظة نينوى.
وكشف، أن مبادرة "إحياء روح الموصل" تتضمن ثلاثة مجالات عمل استراتيجية رئيسية، أولها التراث عبر المساهمة في المصالحة المجتمعية وبناء السلام، من خلال استعادة البيئة المعيشية وإعادة تأهيل المواقع التراثية في المدينة. والمشروع الأكثر رمزية هو إعادة إعمار مسجد النوري الشهير ومئذنته الحدباء وكنيسة الطاهرة وكنيسة الساعة وبيت الصلاة فيها ونحو 130 بيتاً تراثياً، إلى جانب تطوير بعض البنى التحتية العامة في مدينة الموصل القديمة. وأنجزت أعمال 43 منزلاً تراثياً وقد سُلِّمت إلى أصحابها، ما ساعد في إعادة السكان إلى المدينة القديمة، كما أُعيد بناء وترميم جامع الآغاوات.
وشمل مجال العمل الثاني تنشيط الحياة الثقافية والفكرية في الموصل من خلال إحياء أشكال التعبير الثقافي التقليدي، وبينها الموسيقى، إذ نظمت "يونسكو مهرجان الموصل للموسيقى التقليدية في مارس/ آذار 2022، وكان الأول من نوعه بعد تحرير المدينة، وأنشئت أيضاً مساحة إبداعية بعنوان "المحطة"، وهي حاضنة ناشئة بمثابة مركز لرجال الأعمال والفنانين الثقافيين الشباب، كما جرى توفير مساحة للتدريبات والمعارض واستوديو موسيقى. وتقدم "يونسكو" أيضاً الدعم الفني والمادي للمركز الرقمي للمخطوطات الشرقية في الموصل من أجل الترميم الفعّال للمخطوطات القديمة والحفاظ عليها، وإعادة فتح المتاحف وغيرها من مساحات التعبير والإبداع والحوار.
وبدعم من الاتحاد الأوروبي، أنشأت "يونسكو" مختبر الأفلام في معهد الفنون الجميلة بالموصل، وجرى تدريب 20 طالباً وإنتاج 9 أفلام قصيرة، بعدما اكتسبوا خبرة عملية في الجوانب الأساسية لمهن الإنتاج السينمائي، وبينها الإخراج وكتابة السيناريو والتحرير والتمثيل وتصميم الأزياء وهندسة الصوت والضوء. وشاركت هذه الأفلام في مهرجانات دولية. إضافة إلى ذلك، قُدمت بالشراكة مع المنظمة الدولية للهجرة منح صغيرة للمؤسسات الصغرى والصغيرة والمتوسطة العاملة في مجال الثقافة والصناعات الإبداعية.
أما مجال العمل الثالث فشمل التعليم، حيث تكمل "يونسكو" ووزارتا التربية والتعليم العالي، بدعم من حكومة كندا، تنفيذ مشروع "النهج القائم على النوع الاجتماعي لمنع التطرف العنيف في العراق من خلال التعليم"، بناءً على المشاريع السابقة التي دعمتها حكومتا هولندا واليابان. وعزّز هذا المشروع القدرة على الصمود ضد دوافع التطرف العنيف من خلال التعليم عبر تعزيز قدرات نحو 10,000 من الجهات الفاعلة التعليمية (الآباء والمعلمون والمديرون والمشرفون والأساتذة والطلاب) من أكثر من 250 مدرسة و3 جامعات حكومية في محافظتي نينوى والأنبار. إضافة إلى ذلك، عزز المشروع قدرات أكثر من 30 من أعضاء هيئة التدريس، بينهم باحثون في بداية حياتهم المهنية، وجرى توثيق الدروس المستفادة في تقرير حالة التعليم من أجل السلام في العراق الذي سيُنشر قريباً.
أيضاً نظمت "يونسكو" وجامعة الموصل، ضمن مشروع "إحياء روح الموصل"، مؤتمر التعليم من أجل السلام في نوفمبر/ تشرين الثاني 2022، الذي شهد إطلاق "كرسي يونسكو" حول منع التطرّف العنيف وتعزيز ثقافة السلام في جامعة الموصل. وجمع مؤتمر التعليم من أجل السلام الأنشطة المتعددة لأكثر من 500 من أصحاب الاختصاص في مجال التعليم للتداول بشأن دور التعليم في الماضي والحاضر والمستقبل ودوره في بناء السلام. وستوفر النتائج معلومات لتقرير "يونسكو" المقبل حول حالة التربية من أجل السلام في العراق.
تفجير المنارة التاريخية
في يوم 21 من شهر حزيران/ يونيو 2017، أعلنت القوات العراقية أن عناصر عصابات داعش أقدموا على تفجير جامع النوري ومنارة الحدباء التاريخية في المدينة القديمة بغرب الموصل.
وقال قائد عمليات "قادمون يا نينوى" آنذاك أن عصابات داعش الإرهابية أقدمت على ارتكاب جريمة تاريخية أخرى وهي تفجير جامع النوري ومئذنة الحدباء التاريخية بالمدينة القديمة في غرب الموصل.
وأضاف، إن عملية التفجير تمت بعد تقدّم قواتنا في عمق المدينة القديمة ووصولها إلى مسافة 50 مترا من جامع النوري.
في حين أعلنت عصابات داعش عبر وكالة "أعماق" التابعة لها أن الطيران الأميركي دمّر مسجد النوري الكبير والمنارة الحدباء في الموصل، وليس عناصره كما قالت القوات العراقية.
بيد أن متحدثا باسم التحالف، الذي تقوده الولايات المتحدة نفى ضرب المنطقة التي يوجد بها المسجد التاريخي في الموصل. كما وصف جنرال أمريكي تدمير داعش للمسجد الكبير بالموصل بأنه جريمة ضد شعب الموصل والعراق.
ويُعد مسجد النوري أكبر مساجد المدينة القديمة، ومنه كان الظهور العلني الوحيد لزعيم عصابات داعش أبو بكر البغدادي في تموز/ يوليو 2014، حيث أعلن ما يسمى بـ "الخلافة" على المناطق التي سيطر عليها في سوريا والعراق.
ويحمل هذا المسجد اسم النوري، نسبة إلى الملك نور الدين الزنكي، موحّد سوريا وحاكم الموصل لفترة، والذي أمر ببنائه في العام 1172. وإلى جانبه، تقع منارة الحدباء المائلة، التي كانت يوما مئذنة لجامع النوري القديم، وهي ما تبقّى منه. وتشكل المنارة رمزا للمدينة، إذ طُبعت على العملة الورقية العراقية من فئة عشرة آلاف دينار.