بين إسلام الإشارات وإسلام المقابر
إسلام الطوابير، أم إسلام السلاسل؟ إسلام احترام القانون، أم إسلام كتابة القانون بما يناسب القوي؟ لقد رأينا نظاماً فسميناه إسلاماً، ورأينا شعوباً محطّمة فسميناها غياباً للقيم، وكأن الأخلاق تُقاس بانتظام القطارات لا بعدد الشعوب التي دُهست تحت عجلاتها.
رسول حمزاتوف
قال الشيخ محمد عبده: ذهبتُ إلى الغرب فوجدتُ إسلاماً ولم أجد مسلمين، وعندما رجعتُ إلى القاهرة وجدتُ مسلمين ولم أجد إسلاماً.
مقولة أنيقة، سهلة الحفظ، عسيرة الدفاع، تشبه حكمة تُقال في صالون مضاء جيداً، ثم تنهار عند أول تماس مع خرائط الدم والتاريخ. عبارة تطلب منك أن تُغمض عينيك عن نصف الكرة الأرضية كي تبدو عميقة.
أي إسلام هذا الذي وُجد في الغرب؟
إسلام الطوابير، أم إسلام السلاسل؟ إسلام احترام القانون، أم إسلام كتابة القانون بما يناسب القوي؟ لقد رأينا نظاماً فسميناه إسلاماً، ورأينا شعوباً محطّمة فسميناها غياباً للقيم، وكأن الأخلاق تُقاس بانتظام القطارات لا بعدد الشعوب التي دُهست تحت عجلاتها.
الغرب الذي افتَتنّا بانضباطه بنى ثروته على جغرافيا كاملة من النهب. أفرغ إفريقيا من ذهبها، وتركها ممتلئة بالجوع والجهل والمرض والحروب، ثم جلس في باريس ولندن يكتب تقارير عن فشل الدول الإفريقية. أباد الهنود الحمر حتى كادوا يختفون من التاريخ، ثم سمّى ذلك اكتشافاً. خطف ملايين الأفارقة، كبّلهم بالسلاسل، وبنى بهم مزارعه ومدنه، ثم كتب عن الحرية باعتبارها قيمة كونية. نهب الهند، وقسّمها، وأشعل فيها المجاعات، ثم تساءل عن سر الفقر الآسيوي.
ذلك الإسلام الذي وُجد هناك لم يكتفِ بالنهب، بل احتاج دائماً إلى استعراض أخلاقي عبر القتل. ألقى قنابل نووية على هيروشيما وناغازاكي ليرى كيف يتبخر الإنسان حين تتقدّم الفيزياء. أحرق فيتنام بالنابالم لأن الفيتناميين الشماليين كانوا أشراراً شيوعيين حسب التصنيف الأخلاقي الغربي، وكأن العقيدة تبرر إحراق الأطفال. دمّر كوريا، وسحق أمريكا اللاتينية بالانقلابات، ودعم الديكتاتوريات طالما كانت مطيعة، ثم أعاد اكتشاف حقوق الإنسان عندما تمرّد الضحايا.
وفي عصرنا الحديث، واصل هذا الإسلام العصري صلاته بالقصف الذكي. في أفغانستان باسم تحرير المرأة، في العراق باسم أسلحة لم توجد، في ليبيا باسم الحماية، في سوريا باسم التوازن، وفي فلسطين باسم الدفاع عن النفس حتى آخر بيت وآخر طفل. في كل مرة تتغيّر الذريعة، وتبقى الجثث.
فإن كان هذا إسلاماً، فهو إسلام الخرائط لا البشر، وإسلام السوق لا القيم، وإسلام يتحدث عن الإنسان مجرداً ويقتله محدداً بالاسم والعنوان.
ثم نعود إلى القاهرة، حيث وجد الشيخ مسلمين ولم يجد إسلاماً.
وجد شعوباً مثقلة بالهزائم، منهكة بالاحتلال، مفككة بالاستبداد الذي رعته القوى نفسها التي أعجبته. لم يجد النظام، لأنه لم يبحث عن السفن التي حملت النظام إلى هناك محمّلاً بالثروات. رأى الفوضى ولم يرَ من هندسها، رأى التخلف ولم يرَ من عطّل المسار، فكان الحكم جاهزاً: المشكلة فينا، لا في التاريخ الذي كُتب علينا بالسلاح.
لم يكن غياب الإسلام في القاهرة خللاً روحياً، بل نتيجة حسابية في ميزان القوة. لم يكن نقصاً في القيم، بل فائضاً في القهر. فالمدينة المنهوبة لا تنتج نظاماً مثالياً، والإنسان المقموع لا يؤدي مسرحية الفضيلة وهو محاصر بالفقر والخوف. الغرب لم يكن فاضلاً بطبيعته، بل منظّماً لأنه منتصر، وغنياً لأنه نهب، ومستقراً لأنه صدّر الفوضى.
اختلط الأمر علينا حين قدّسنا النتائج ونسينا الوسائل. حين سمينا الامتلاء أخلاقاً، والجوع انحرافاً. حين افترضنا أن المنتصر عادل بالضرورة، وأن المهزوم فاسد بالضرورة، وكأن التاريخ محكمة أخلاق لا سجل جرائم كبرى كُتبت بلغة أنيقة.
إن الإسلام ليس ما يُرى من خلف الزجاج، ولا ما يُقاس بدقة المواعيد، ولا ما يُمارس داخل الحدود ويُلغى خارجها. الإسلام إن كان قيمة فلا يمكن أن يتعايش مع الإبادة، ولا أن يُموّل بالنهب، ولا أن يصمت حين يكون القاتل متحضّراً، ولا أن يتحول إلى مرآة نمدح بها الأقوياء ونجلد بها الضعفاء.
لعل المشكلة لم تكن أن الشيخ وجد إسلاماً هناك ولم يجده هنا، بل إننا ما زلنا نبحث عن الإسلام في مكاتب المنتصرين، لا في عدالة القضايا، وننبهر بإسلام الإشارات، ونتعامى عن إسلام المقابر المنتشرة في كل قارات الأرض، ثم نتساءل ببراءة مصطنعة: أين الخطأ ؟
#شبكة_انفو_بلس