من أول بئر إلى ما بعد حرب "داعش".. إنفوبلس تُفصّل تاريخ حقل عجيل النفطي
انفوبلس/ تقرير
في وقت يسعى فيه العراق إلى تعظيم موارده النفطية والغازية وتقليل الاعتماد على الاستيراد، يبرز حقل عجيل النفطي في محافظة صلاح الدين بوصفه أحد الحقول الإستراتيجية التي لا تزال تمتلك طاقة كامنة كبيرة، لكنها تحتاج إلى استثمارات نوعية وتقنيات حديثة لاستغلالها على النحو الأمثل. وبين إنتاج حالي مستقر نسبيًا وتحديات أمنية وفنية متراكمة، يقف الحقل عند مفترق طرق حاسم بين الاكتفاء بالإنتاج الحالي أو الانطلاق نحو مرحلة تطوير أوسع تواكب طموحات بغداد لزيادة الإنتاج بحلول عام 2027.
موقع إستراتيجي وأهمية متنامية
يقع حقل عجيل النفطي على بعد نحو 30 كيلومترًا شمال مدينة تكريت، ويُعد أحد أبرز الحقول النفطية والغازية في شمال العراق. وتنبع أهميته من موقعه الجغرافي القريب من مصفاة الصمود في بيجي وشركة غاز الشمال، ما يمنحه ميزة لوجستية تسهّل عمليات النقل والمعالجة، وتُقلل من كلف التشغيل مقارنةً بحقول أخرى أكثر بُعدًا.
ويضم تركيبيًا قبّتين جيولوجيتين، هما القبة الرئيسة والقبة الشمالية الغربية، وتبلغ المساحة الكلّية للحقل قرابة 40 كيلومترًا طولًا و5 كيلومترات عرضًا.
وبحسب قاعدة بيانات الحقول العالمية، يُسهم الحقل بدور فاعل في دعم منظومة الطاقة العراقية، ولا سيما في المناطق الشمالية التي عانت طويلًا من الاضطرابات الأمنية وتراجع الاستثمارات خلال العقد الماضي.
تاريخ الاكتشاف وبداية الإنتاج
اكتُشف حقل عجيل عام 1977، وحُفرت أول بئر استكشافية فيه (Aj-1) في شهر أبريل/نيسان من العام نفسه، ما شكّل نقطة انطلاق للأعمال الاستكشافية والتقييم الجيولوجي. غير أن الإنتاج التجاري للنفط والغاز بدأ فعليًا قبل ذلك، وتحديدًا عام 1994، ليصبح الحقل لاحقًا أحد الروافد الأساسية لدعم قطاع الطاقة في شمال العراق.
وعلى مدى سنوات، شكّل الحقل عنصرًا مهمًا في توازن الإمدادات النفطية، قبل أن يدخل مرحلة من التراجع والتوقف الجزئي نتيجة الأوضاع الأمنية التي ضربت المنطقة بعد عام 2014.
إنتاج حالي مستقر لكنه دون الطموح
يبلغ إنتاج حقل عجيل النفطي حاليًا ما بين 30 ألفًا و32 ألف برميل من النفط الخام يوميًا، إضافة إلى إنتاج غاز يُقدَّر بنحو 120 إلى 125 مليون قدم مكعبة يوميًا. ويُضَخ النفط المنتج باتجاه مصفاة الصمود في بيجي، في حين يُنقَل غاز القبة إلى شركة غاز الشمال لغرض المعالجة والاستثمار.
ويضم الحقل 91 بئرًا إنتاجية واستكشافية، معظمها منتج من المكمن الثلاثي، إلى جانب بئرين استكشافيتين حديثتين نسبيًا محفورتين في التكوينين الطباشيري والجوراسي، هما (Aj-12) و(Aj-8)، ما يعكس وجود مكامن أعمق ما تزال بحاجة إلى تقييم وتطوير.
بنى تحتية تحتاج إلى تحديث
تتضمن محطة عجيل لمعالجة النفط ضفّتين، تضم كل ضفة وحدات للعزل والمعالجة والتخزين، بطاقة تصميمية تبلغ 35 ألف برميل يوميًا لكل ضفة، في حين تصل الطاقة الاستيعابية للخزانات إلى 25 ألف برميل لكل خزان. أما منظومة معالجة غاز القبة فتتكون من ضفة واحدة تشمل عازلة ثنائية الطور ووحدتي تجفيف لتهيئة الغاز للنقل والاستعمال الصناعي.
ورغم أن هذه البنية التحتية مكّنت الحقل من بلوغ مستوياته الحالية من الإنتاج، فإنها تعاني من تقادم واضح، ما يستدعي استثمارات لتحديث وحدات المعالجة وتقليل الفواقد ورفع كفاءة التشغيل.
التعافي بعد سنوات من الدمار
تعرض حقل عجيل لأضرار جسيمة خلال السنوات التي شهدت سيطرة التنظيمات الإرهابية على أجزاء واسعة من محافظة صلاح الدين. ففي عام 2016، شن تنظيم "داعش" الارهابي هجومًا على الحقل، وتمكن بعض عناصره من الدخول وإحراق أجزاء من منشآته، وسط اشتباكات عنيفة مع القوات الأمنية.
وأدى ذلك إلى توقف الإنتاج لفترات طويلة، وتضرر عدد من الآبار وخطوط النقل والخزانات. غير أن تحرير المنطقة أعاد فتح الباب أمام استئناف النشاط النفطي، إذ تمكنت شركة نفط الشمال من إعادة الحقل إلى الإنتاج عام 2018 خلال مدة قياسية، عبر تنفيذ أعمال تأهيل مكثفة شملت إصلاح الآبار المتضررة وإعادة تشغيل مرافق الضخ والتخزين.
تحديات أمنية وفنية مستمرة
ورغم تحسن الوضع الأمني، لا يزال الحقل يواجه تحديات متعلقة بسلامة البنية التحتية. ففي شباط/فبراير 2025، أفاد مصدر في دائرة بيئة صلاح الدين بحدوث انفجار في أحد أنابيب نقل الغاز الطبيعي من حقل عجيل، ما أدى إلى انتشار رائحة الغاز في مناطق واسعة شملت قضاءي الدور وسامراء.
وبعد يومين، أعلنت شركة نفط الشمال استئناف الضخ بعد معالجة الخلل، مشيرة إلى أن الانفجار نجم عن تقادم الأنبوب. كما شهد الحقل في منتصف عام 2025 حادثة حريق داخل أحد خزانات النفط الخام، أسفرت عن وفاة وإصابة خمسة موظفين، ما دفع الجهات المختصة إلى تشكيل لجنة تحقيق عاجلة.
وتُعيد هذه الحوادث تسليط الضوء على الحاجة الملحّة لتحديث منظومات السلامة الصناعية، واستبدال الأنابيب والخزانات القديمة، وتطبيق معايير أكثر صرامة في إدارة المخاطر.
استثمارات منتظرة وتقنيات حديثة
ترى وزارة النفط أن حقل عجيل يمتلك إمكانات إنتاجية أكبر بكثير من مستواه الحالي، خصوصًا في مجال الغاز المصاحب. وتسعى الحكومة إلى جذب شركات نفطية متخصصة للمشاركة في تطوير الحقل، عبر إدخال تقنيات الاستخلاص المعزز، وتحسين إدارة المكامن، وتقليل حرق الغاز.
ويمثل تطوير الحقل فرصة مزدوجة، إذ يسهم في زيادة إنتاج النفط، وفي الوقت ذاته يدعم خطط العراق لزيادة استثمار الغاز المحلي وتقليل الاستيراد، ولا سيما لتغذية محطات توليد الكهرباء.
أثر اقتصادي واجتماعي
لا تقتصر أهمية حقل عجيل على أبعاده النفطية فحسب، بل تمتد إلى دوره الاجتماعي والاقتصادي في محافظة صلاح الدين. فالحقل يوفر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لأبناء المنطقة، ويسهم في تحريك النشاط الاقتصادي المحلي، فضلًا عن دوره في دعم إيرادات الدولة.
ويُنظر إلى الحقل بوصفه نموذجًا لقدرة القطاع النفطي العراقي على التعافي بعد الأزمات، وعلى إعادة بناء نفسه في بيئات كانت تُعدّ حتى وقت قريب غير آمنة للاستثمار.
مستقبل الحقل بين الواقع والطموح
في ظل مساعي العراق لرفع طاقته الإنتاجية النفطية والغازية بحلول 2027، يبقى حقل عجيل أحد الملفات المفتوحة على أكثر من سيناريو. فإما أن يستمر بالإنتاج الحالي مع تحسينات محدودة، أو أن يتحول إلى ورشة تطوير متكاملة إذا ما توفرت الاستثمارات والتقنيات المطلوبة.
وبين هذا وذاك، يبقى الرهان الأساسي على قدرة الدولة على خلق بيئة جاذبة للشركات النفطية، وضمان الاستقرار الأمني، وتوفير التمويل اللازم لتحديث البنية التحتية، بما يضمن أن يتحول الإنتاج الواعد لحقل عجيل إلى رافعة حقيقية للاقتصاد الوطني.

