خمسون ديناراً تُشعل الاحتجاجات.. وكلاء البطاقة التموينية يحذرون من انهيار منظومة التوزيع وسط كلف متصاعدة وربح لا يغطي النفقات
انفوبلس/..
في مشهد يتكرر في أكثر من محافظة عراقية، خرج وكلاء الحصة التموينية عن صمتهم معبّرين عن رفضهم لقرار وزارة التجارة القاضي بتحديد هامش ربح لا يتجاوز خمسين ديناراً للفرد الواحد، معتبرين أن القرار بات يهدد مصدر رزقهم ويضع منظومة التوزيع التمويني برمتها أمام تحديات حقيقية.
اعتصامات
في محافظة المثنى، اعتصم العشرات من وكلاء الحصة التموينية، أمس الأحد، أمام مبنى مجلس المحافظة، رافعين لافتات تطالب بإعادة النظر بقرار تقليص الهامش الربحي، ومناشدين الحكومة المحلية التدخل العاجل ومفاتحة وزارة التجارة لإنصافهم. وقدم ممثلو الوكلاء بياناً احتجاجياً رسمياً، أكدوا فيه أن القرار الجديد لا يراعي الارتفاع الكبير في التكاليف التشغيلية، ولا ينسجم مع حجم الأعباء التي يتحملها الوكيل في إيصال مفردات البطاقة التموينية إلى ملايين المواطنين.
وقال الوكيل حميد سلمان، إن وكلاء المواد الغذائية والطحين يعانون من “تعسف وظلم فادح” منذ أكثر من ثلاثين عاماً، مشيراً إلى أن الحكومات المتعاقبة لم تنصف هذه الشريحة، لا قبل عام 2003 ولا بعده.
وأضاف سلمان أن الوكيل اليوم مطالب بدفع بدلات إيجار للمحال والمخازن قد تصل إلى نصف مليون دينار شهرياً أو أكثر، فضلاً عن أجور العمال ومستلزمات التغليف والشحن وكلف تشغيل المولدات الكهربائية، متسائلاً: “ماذا يمكن أن تغطي خمسون ديناراً؟ هل تكفي لدفع الإيجار أم لتسديد رواتب العمال أم لتأمين مستلزمات العمل اليومية؟”.
ولم تختلف لهجة الاحتجاج لدى وكيل آخر من قضاء الرميثة، رياض عبد الحمزة، الذي دعا إلى “توخي الإنصاف والعقلانية” في اتخاذ مثل هذه القرارات.
وأكد عبد الحمزة أن وكلاء البطاقة التموينية يمثلون أذرعاً مساندة لعمل الحكومة، ويسهمون بشكل مباشر في تحقيق الأمن الغذائي، متسائلاً عن الجدوى من “تهميش عشرات الآلاف من الوكلاء وتقليص هامش ربحهم”، في وقت تعتمد فيه الدولة عليهم لضمان وصول المواد الغذائية إلى المواطنين في مختلف المناطق.
وبحسب الوكلاء، فإن وزارة التجارة حددت سعر الفرد الواحد من الحصة التموينية بمبلغ ألف دينار، يستوفيه الوكيل من المواطن، لكنه ملزم في المقابل بتسديد تسعمئة وخمسين ديناراً لحساب الوزارة، ما يترك هامش ربح لا يتجاوز خمسين ديناراً.
ويؤكد المحتجون أن هذا المبلغ لم يعد كافياً لتغطية أبسط متطلبات العمل، في ظل الارتفاع المستمر في أسعار الوقود والنقل والخدمات.
من جانبه، وعد عضو مجلس محافظة المثنى إحسان أبو جعيلة برفع مطالب الوكلاء إلى الجهات المختصة، ومفاتحة وزارة التجارة عبر نواب المحافظة في مجلس النواب العراقي، مؤكداً السعي لإعادة النظر بالقرار لما له من “ضرر واسع على شريحة مهمة من أبناء المجتمع”، بحسب تعبيره.
البصرة تغلي
وفي جنوب البلاد، لم تكن محافظة البصرة بعيدة عن مشهد الاحتجاج. فقد شهدت المحافظة وقفة احتجاجية لوكلاء وتجار البطاقة التموينية أمام دائرة المخازن في منطقة الكزيزة، وسط أجواء من التذمر والغضب، احتجاجاً على هامش الربح المعتمد لعمليات استلام ونقل وتوزيع المفردات التموينية.
وأكد المحتجون في البصرة أن التسعيرة الحالية لم تعد قادرة على تغطية التكاليف التشغيلية، التي شهدت ارتفاعاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، محذرين من انعكاسات محتملة على استمرارية التوزيع وانتظامه. وأشاروا إلى أن استمرار العمل بالآلية الحالية قد يدفع عدداً كبيراً من الوكلاء إلى التوقف عن العمل، ما سينعكس بشكل مباشر على المواطنين المشمولين بالبطاقة التموينية.
وقال وكيل البطاقة التموينية محمد عودة، إن عدد الوكلاء العاملين في محافظة البصرة يتجاوز ثلاثة آلاف وكيل، مؤكداً أن هامش الربح المحدد بخمسين ديناراً للفرد الواحد “لا يوفر الحد الأدنى من متطلبات العمل اليومية”.
وأوضح أن الوكيل يتحمل سلسلة طويلة من النفقات، تشمل النقل والتحميل والتفريغ، وأجور العمال، وإيجارات المحال، فضلاً عن مصاريف الكهرباء والأكياس الفارغة ووصولات الاستلام وأعمال الصيانة والخدمات الأخرى.
وأضاف عودة أن كثيراً من الوكلاء يجدون أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما الاستمرار في العمل مع تكبد الخسائر، أو التوقف عن التوزيع وتحمل تبعات ذلك. وأكد أن الوضع الحالي لا يشجع على الاستمرار، خصوصاً في ظل غياب أي دعم أو تسهيلات تعوض جزءاً من التكاليف المتزايدة.
أعباء مالية كبيرة
بدوره، أشار التاجر علي فالح إلى أن ارتفاع أسعار الوقود وأجور النقل خلال الفترة الماضية ضاعف الأعباء المالية على الوكلاء والتجار، محذراً من أن استمرار العمل بالآلية الحالية قد يؤدي إلى تراجع قدرة عدد كبير من الوكلاء على مواصلة التوزيع خلال الأشهر المقبلة.
ولفت إلى أن أي خلل في سلسلة التوزيع سينعكس مباشرة على انتظام وصول مفردات البطاقة التموينية إلى المواطنين، خصوصاً في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية.
بدوره، أكد علي كاظم، أحد التجار المشاركين في الوقفة الاحتجاجية، أن المحتجين قدموا مطالب رسمية إلى وزارة التجارة، تضمنت زيادة هامش الربح بما يتناسب مع التكاليف الفعلية، إضافة إلى إيجاد آلية واضحة لتعويض نفقات النقل والتفريغ، وتوفير تسهيلات إدارية من شأنها تقليل المصاريف التشغيلية.
وأشار إلى أن الوكلاء والتجار يلوحون بالاستمرار في تحركاتهم الاحتجاجية في حال عدم الاستجابة لمطالبهم خلال الفترة المقبلة.
وتزامنت هذه التحركات مع تحذيرات من مختصين في الشأن الاقتصادي، من أن استمرار الأزمة دون حلول قد ينعكس سلباً على استقرار منظومة البطاقة التموينية.
وقال الخبير الاقتصادي حسن الكناني، إن أزمة هامش أرباح وكلاء البطاقة التموينية تعكس خللاً واضحاً في آليات تسعير الخدمات اللوجستية ضمن منظومة التوزيع الحكومية.
وأوضح الكناني أن تثبيت هامش الربح لسنوات طويلة دون ربطه بمؤشرات التضخم وارتفاع أسعار الوقود والنقل أدى إلى تآكل العائد الحقيقي للوكلاء والتجار، ما جعل استمرارهم في العمل أقل جدوى مع مرور الوقت.
وأضاف أن معالجة المشكلة تتطلب خطوات عاجلة تضمن تحقيق التوازن بين كلفة التشغيل والعائد المالي للعاملين في حلقات التوزيع، محذراً من أن أي اختلال في هذه المعادلة قد ينعكس سريعاً على انتظام التجهيز ويؤثر في الأمن الغذائي للفئات الأكثر اعتماداً على البطاقة التموينية.
