إيران تحت الاختبار الدائم: سبعة عقود من محاولات الكسر.. النظام الإيراني زاد تماسكه والمخططات الأمريكية انتهت بالفشل
انفوبلس/..
لم تكن العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران يوماً علاقة خلاف عابر أو تنافس مصالح محدود، بل صراعاً مركباً تشكل منذ اللحظة التي قررت فيها واشنطن أن تجعل من “تغيير الأنظمة” أداة مركزية في سياستها الخارجية، فمنذ خمسينيات القرن الماضي، تحولت إيران إلى مختبر مفتوح لأدوات الضغط الأميركية، من الانقلابات الناعمة، إلى الحروب بالوكالة، وصولاً إلى العقوبات الخانقة والعدوان المباشر. ومع ذلك، بقي النظام الإيراني صامداً، مقابل فشل كل المحاولات الأمريكية.
مع صعود الولايات المتحدة قوة عظمى بعد الحرب العالمية الثانية، لم تكن مستعدة لإدارة إمبراطوريات تقليدية، لكنها في الوقت نفسه لم تقبل بفراغ النفوذ، هكذا وُلدت عقيدة التدخل غير المباشر بإسقاط الحكومات غير المرغوب بها، أو إعادة هندسة أنظمتها السياسية، من دون احتلال طويل الأمد. وكانت إيران، بثروتها النفطية وموقعها الجيوسياسي، هدفاً لهذه المقاربة.
إسقاط حكومة محمد مصدق
في عام 1953، كسرت واشنطن واحداً من أهم المحرّمات السياسية في الشرق الأوسط، حين شاركت مع لندن في إسقاط حكومة محمد مصدق المنتخبة ديمقراطياً. لم يكن ذنب الرجل سوى أنه قرر استعادة السيادة على النفط الإيراني. العملية لم تغيّر نظام الحكم فحسب، بل زرعت في الوعي الإيراني الجماعي قناعة راسخة بأن الولايات المتحدة لا تتردد في سحق الديمقراطية إذا تعارضت مع مصالحها، منذ تلك اللحظة، لم يعد العداء مجرد خلاف سياسي، بل أصبح ذاكرة تاريخية مفتوحة.
سقوط الوهم الأمريكي
لم تحتج واشنطن بعد ذلك إلى الدبابات. فالنظام الملكي، بقيادة الشاه، تولّى بنفسه مهمة حماية المصالح الأميركية. جهاز أمني شديد البطش، اقتصاد موجه لخدمة التحالف الغربي، ودور إقليمي مرسوم بعناية في مواجهة الاتحاد السوفياتي. لكن هذا “الاستقرار” كان هشّاً، مبنياً على القمع أكثر من الرضا، وعلى القوة أكثر من الشرعية. وحين انفجر الشارع الإيراني عام 1979، سقط الحليف دفعة واحدة، ومعه سقط وهم القدرة الأمريكية على التحكم بمسار المجتمعات من الأعلى.
الثورة الإسلامية غيّرت قواعد اللعبة
الثورة الإسلامية لم تغيّر النظام فقط، بل غيّرت قواعد اللعبة. للمرة الأولى، واجهت واشنطن نظاماً بنى شرعيته على رفضها، وجعل من العداء لها جزءاً من هويته السياسية. هنا، أصبح الانقلاب العسكري التقليدي خياراً شبه مستحيل. الدولة الجديدة أعادت بناء مؤسساتها على قاعدة منع الاختراق، ورفعت منسوب الشك بكل ما هو خارجي، خصوصاً الأمريكي.
حين اندلعت الحرب العراقية – الإيرانية، اعتقدت واشنطن أنها عثرت على البديل المثالي عن الانقلاب. حرب طويلة تستنزف النظام الجديد، وتعيده إلى نقطة الانهيار. لكن النتيجة جاءت معاكسة مرة أخرى. فبدلاً من التفكك، خرجت إيران أكثر تماسكاً، وأكثر قناعة بأن بقاء النظام مرهون بامتلاك أدوات الردع ومنع تكرار سيناريو 1953 بأي شكل.
في التسعينيات، دخل الصراع مرحلة أكثر هدوءاً وأطول نفساً. لم تعد واشنطن تتحدث عن إسقاط فوري، بل عن احتواء تدريجي. عقوبات، عزلة، وضغط سياسي متواصل. لكن هذه السياسة لم تُنتج اختراقاً داخلياً حاسماً، لأن بنية الدولة، الأمنية والعسكرية، بقيت متماسكة، ولأن المجتمع، رغم التململ، لم يصل إلى لحظة القطيعة الكاملة مع النظام.
عودة الرهان إلى الشارع
عام 2009، عاد الرهان على الشارع. احتجاجات واسعة، دعم إعلامي وسياسي غربي، وحديث عن تصدّع داخلي. لكن مرة أخرى، لم ينشق الجيش، ولم تتفكك المؤسسات، وانتهت الحركة من دون تغيير جذري. الرسالة كانت واضحة الغضب الشعبي وحده لا يُسقط نظاماً يسيطر على مفاصل القوة.
في عهد دونالد ترامب، بلغ الضغط مداه الأقصى. عقوبات خانقة، انسحاب من الاتفاق النووي، وحرب نفسية مفتوحة. الفكرة كانت بسيطة خنق الاقتصاد سيدفع الشارع إلى الانفجار، والانفجار سيكسر النظام. لكن ما حدث فعلياً هو تدهور معيشي كبير، من دون انهيار سياسي. النظام اهتز، لكنه لم يسقط.
إيران.. امتصاص الصدمات
منذ 2020، بات واضحاً أن واشنطن لم تعد تبحث عن انقلاب سريع، بل عن إنهاك طويل. حرب سيبرانية، دعم انتقائي للاحتجاجات، وضغوط متقطعة. ومع ذلك، بقيت إيران قادرة على امتصاص الصدمات، مستندة إلى منظومة أمنية صلبة وخبرة طويلة في إدارة الأزمات.
العدوان الإسرائيلي - الأمريكي في حزيران 2025 مثّل ذروة هذا المسار. اثنا عشر يوماً من المواجهة المباشرة، روّج لها كضربة قاصمة، لكنها انتهت من دون تحقيق هدف كسر النظام أو إسقاطه. بل على العكس، عززت سردية الصمود في الداخل الإيراني.
ومع احتجاجات أواخر 2025 ومطلع 2026، عاد الحديث مجدداً عن “فرصة تاريخية”. غير أن الواقع أظهر أن هذه التحركات، رغم اتساعها، بقيت محكومة بسقف معيشي، ولم تتحول إلى مشروع سياسي قادر على قلب المعادلة.
سبعة عقود من المحاولات أثبتت أن التخطيط شيء، والتنفيذ شيء آخر. فالنظام الذي نجا من انقلاب، وحرب مدمرة، وعقوبات خانقة، وعدوان مباشر، ليس خصماً سهلاً.