مرشح رئاسي يعرض ولاءه لواشنطن مقابل دعم سياسي يهدد استقلال القرار العراقي
بيع القرار الوطني علناً
انفوبلس..
في تطور سياسي أثار موجة غضب وانتقادات واسعة داخل الأوساط العراقية، كشف تقرير نشرته مجلة «نيوزويك» الأمريكية تفاصيل ما وُصف بأنه مخطط سياسي خطير يقوده المرشح لرئاسة الجمهورية العراقية سردار عبد الله، يقوم على استجداء دعم الإدارة الأمريكية، وتحديداً الرئيس دونالد ترامب، مقابل تبني أجندة سياسية داخل العراق تستهدف إعادة رسم موازين القوى بما يخدم الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة.
ويعدّ هذا الطرح، وفق قراءات سياسية ناقدة، انزلاقاً غير مسبوق نحو تحويل أحد أعلى المناصب السيادية في الدولة إلى أداة تنفيذية لمصالح دولة ما تزال تُصنَّف لدى شريحة واسعة من العراقيين باعتبارها دولة احتلال مسؤولة عن تفكيك الدولة العراقية منذ عام 2003.
استدعاء الخارج بديلاً عن الإرادة الوطنية
التقرير الأمريكي لم يكتفِ بعرض رؤية سياسية عامة، وكشف عن خطة مكتوبة يسعى من خلالها المرشح الرئاسي إلى توظيف موقع رئاسة الجمهورية لخدمة مشروع أمريكي معلن يقوم على تقويض نفوذ خصوم واشنطن داخل العراق.
هذا الطرح، بحسب منتقديه، لا يمكن تفسيره باعتباره اجتهاداً سياسياً عادياً، ويمثل انتقالاً صريحاً من العمل السياسي الوطني إلى منطق الاستقواء بالخارج، عبر تقديم تعهدات سياسية مسبقة لقوة أجنبية مقابل دعمها للوصول إلى السلطة.
ويؤكد مراقبون أن أخطر ما في هذه التصريحات ليس مضمونها فقط، بل توقيتها أيضاً، إذ تأتي في لحظة سياسية حساسة يعيش فيها العراق صراعاً على تثبيت استقلال قراره الوطني، ما يجعل أي محاولة لربط مستقبل السلطة العراقية بإرادة واشنطن بمثابة نسف مباشر لمبدأ السيادة الذي نص عليه الدستور.
الرئاسة العراقية كأداة للضغط الأمريكي
بحسب ما نقلته «نيوزويك»، فإن عبد الله تعهد بالسعي لاختيار رئيس وزراء لا يسبب «أزمات مع الولايات المتحدة»، وهو تصريح اعتبره منتقدون دليلاً واضحاً على أن المشروع المطروح يقوم على إخضاع القرار السياسي العراقي لمعادلات الرضا الأمريكي. ويرى هؤلاء أن تحويل منصب الرئاسة إلى قناة لتنفيذ سياسة «الضغط الأقصى» الأمريكية يعني عملياً إعادة إنتاج مرحلة الوصاية السياسية التي عاشها العراق عقب الغزو الأمريكي.
ويذهب منتقدو المشروع إلى أن الحديث عن «إنقاذ العراق» عبر الارتهان لواشنطن يعكس رؤية تتجاهل حقيقة أن الولايات المتحدة كانت طرفاً أساسياً في الأزمات الأمنية والسياسية التي عصفت بالبلاد، وأن تقديمها اليوم بوصفها الضامن الوحيد للاستقرار يمثل محاولة لإعادة تسويق النفوذ الخارجي تحت شعارات الإصلاح.
تناقض الخطاب وميراث التحالفات
المفارقة التي أبرزها التقرير تكمن في أن القوى السياسية الكردية، التي يخرج من بينها هذا الطرح، تمتلك تاريخاً طويلاً من التحالفات الإقليمية المتبدلة وفق موازين القوى، ما يجعل خطاب «الاستقلال الوطني» الذي يرفعه المرشح مثار تشكيك واسع.
ويرى منتقدون أن ما يجري لا يتجاوز محاولة لإعادة التموضع السياسي عبر البوابة الأمريكية، خصوصاً في ظل احتدام الصراع داخل البيت الكردي على منصب رئاسة الجمهورية.
وتشير قراءات سياسية إلى أن السعي للحصول على دعم واشنطن لم يعد يُقدَّم حتى ضمن قنوات دبلوماسية تقليدية، وبات يُطرح علناً كبرنامج سياسي، وهو ما يعكس مستوى غير مسبوق من الارتهان السياسي.
بيع السيادة في بازار السياسة الدولية
الأخطر في الخطة المطروحة، وفق منتقديها، أنها لا تكتفي بإعلان الانحياز السياسي، وتتضمن وعوداً بإعادة تشكيل بنية الدولة الأمنية والاقتصادية بما يفتح المجال أمام الشركات الأمريكية ويستهدف قوى سياسية وعسكرية عراقية بعينها.
ويعتبر هؤلاء أن مثل هذه الطروحات تمثل تجاوزاً لثوابت الوطنية العراقية، وتحويلاً لمؤسسات الدولة إلى أدوات ضمن صراع إقليمي ودولي لا يخدم مصالح العراقيين.
ويذهب بعض المراقبين إلى وصف هذا المسار بأنه محاولة «لبيع السيادة الوطنية» في مزاد السياسة الدولية، عبر تقديم العراق كورقة تفاوض ضمن الحسابات الأمريكية، وهو ما يُنظر إليه باعتباره ضرباً مباشراً لمبادئ الاستقلال السياسي التي دفع العراقيون أثماناً باهظة من أجل ترسيخها.
أزمة نظام أم أزمة ولاء؟
الجدل الذي أثاره تقرير «نيوزويك» تجاوز حدود المنافسة الانتخابية ليطرح سؤالاً أعمق يتعلق بطبيعة الطبقة السياسية العراقية: هل ما يزال الوصول إلى السلطة مرتبطاً بالمشروع الوطني، أم أصبح رهناً بمدى القبول الخارجي؟ ويرى منتقدون أن تحويل العلاقة مع دولة أجنبية إلى معيار للشرعية السياسية يمثل انحداراً خطيراً في مفهوم العمل الوطني.
وفي ظل هذا الجدل، تتصاعد الأصوات التي تعتبر أن أي مشروع يقوم على طلب الدعم من دولة أجنبية مقابل تبني أجندتها السياسية لا يمكن النظر إليه إلا باعتباره خروجاً على ثوابت السيادة الوطنية، وانما تجاوزاً للقيم التي يفترض أن تحكم العمل السياسي في دولة تسعى لاستعادة استقلال قرارها بعد عقود من الحروب والتدخلات الخارجية.
وبينما يحاول أصحاب هذا الطرح تسويقه باعتباره رؤية لإنقاذ العراق، يرى خصومهم أنه نموذج صارخ للتآمر السياسي، ومحاولة لإعادة البلاد إلى دائرة الوصاية الأجنبية، في وقت يؤكد فيه كثيرون أن القرار العراقي لا يُصنع في مكاتب العواصم الكبرى، ويُبنى بإرادة وطنية مستقلة ترفض تحويل المناصب السيادية إلى جسور عبور لمشاريع الخارج.
صراع البيت الكردي وصراع الحصص
يتزامن الجدل حول مخطط استدعاء الدعم الأمريكي مع انقسام كردي داخلي حاد بشأن منصب رئاسة الجمهورية، في ظل فشل الحزبين الكرديين الرئيسيين، الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، في الاتفاق على مرشح موحد.
ومنذ عام 2005 استقر عرف سياسي غير مكتوب يقضي بأن يكون المنصب من حصة المكون الكردي، وبصورة شبه حصرية لصالح الاتحاد الوطني، مقابل احتفاظ الحزب الديمقراطي بمواقع النفوذ الأساسية داخل إقليم كردستان. إلا أن هذا الترتيب بات محل نزاع متصاعد مع مطالبة الحزب الديمقراطي بإعادة النظر في آلية اختيار الرئيس استناداً إلى ثقله الانتخابي.
هذا الخلاف لا يعكس مجرد تنافس سياسي طبيعي، ويكشف طبيعة نظام المحاصصة الذي حوّل المناصب السيادية إلى حصص حزبية تُدار عبر تفاهمات مغلقة أكثر مما تُحسم عبر التنافس الدستوري.
وعلى الرغم من أن الدستور ينص على انتخاب الرئيس داخل البرلمان دون قيود قومية أو حزبية، إلا أن الأعراف السياسية فرضت واقعاً موازياً جعل نتائج الانتخابات محسومة مسبقاً داخل التفاهمات الكردية.
وفي ظل هذا الانقسام، تحوّل الترشح للرئاسة في كثير من الأحيان إلى ورقة ضغط ضمن صفقات سياسية أوسع تتعلق بتشكيل الحكومة وتقاسم النفوذ، الأمر الذي يفسر اندفاع بعض المرشحين نحو البحث عن دعم خارجي لتعزيز فرصهم، بما يعكس أزمة أعمق تتجاوز المنافسة الانتخابية لتصل إلى طبيعة النظام السياسي القائم على التوازنات والولاءات أكثر من اعتماده على مشروع وطني جامع.