العراق على حافة العطش.. خطة طوارئ حكومية صارمة لمواجهة أسوأ أزمة مياه منذ عقود
انفوبلس/..
عادت أزمة المياه في العراق إلى واجهة المشهدَين السياسي والخدمي، مع إعلان وزارة الموارد المائية، اليوم الثلاثاء، وضع خطة طوارئ شاملة لمياه الشرب في المحافظات، بالتزامن مع تشديد إجراءاتها لمنع الزراعة خارج الخطة الزراعية المقرّة ورفع جميع بحيرات الأسماك المتجاوزة، في خطوة تعكس حجم القلق الرسمي من شحّ المياه ودخول البلاد مرحلة وُصفت بالأشد منذ عقود.
وذكرت الوزارة في بيان، أن وزير الموارد المائية عون ذياب عبدالله ترأس اجتماع خلية الأزمة المركزية لمعالجة شح المياه وإزالة التجاوزات، والتي شُكّلت بموافقة رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني بموجب الأمر الديواني (25296). وحضر الاجتماع الوكيل الفني ومدير عام المركز الوطني لإدارة الموارد المائية، إلى جانب ممثلي الوزارات والجهات ذات العلاقة.
وبحسب البيان، تتولى خلية الأزمة الإشراف على عمل اللجان المشكَّلة في المحافظات المعنية، فضلاً عن تأليف لجان محلية في كل محافظة برئاسة المحافظين وعضوية قادة الشرطة ومديريات الموارد المائية والزراعة والبيئة والبلديات والكهرباء والماء، في محاولة لتوحيد الجهود الرسمية لمواجهة التحديات المتفاقمة في الملف المائي.
إجراءات مشددة وتدخلات ميدانية
وأكدت وزارة الموارد المائية أن اللجان المكلفة ستتولى إزالة جميع التجاوزات على الحصص المائية المقرّة، واتخاذ الإجراءات القانونية الفعالة بحق المخالفين، ومحاسبة المقصرين، مع التشديد على منع الزراعة خارج الخطة الزراعية الرسمية، ورفع بحيرات الأسماك المتجاوزة من دون استثناء.
كما تضمنت الخطة وضع برنامج طوارئ خاص بمياه الشرب في المحافظات، وتأمين الحماية لمنشآت الري والمنتسبين العاملين فيها، بما يسهم في الحد من التجاوزات بمختلف أشكالها، إلى جانب رفع تقارير شهرية مفصلة إلى خلية الأزمة المركزية تتضمن الموقف المائي العام وحجم التجاوزات والإجراءات المتخذة بحق المخالفين.
وأشار البيان إلى أن الاجتماع ناقش تقديم شرح تفصيلي عن الوضع المائي الحالي والخزين المتوفر، مع مقارنته بالسنوات الماضية، فضلاً عن مناقشة الاستهلاك الفعلي للقواطع المائية على نهري دجلة والفرات، وحساب المساحات المزروعة وأعداد بحيرات الأسماك ومراقبتها، إضافة إلى مخطط يوضح البحيرات المجازة ونسب التراكيز الملحية الشهرية على امتداد شط العرب.
تحذيرات حكومية من عام جفاف قاسٍ
ونقل البيان عن وزير الموارد المائية تأكيده أن العراق يمر حالياً بأشد سنوات الجفاف، نتيجة التغيرات المناخية المتسارعة، إلى جانب سياسات دول أعالي الحوض في استثمار الموارد المائية من خلال إنشاء مشاريع خزنية وإروائية في منابع الأنهار، ولا سيما في تركيا.
وشدد ذياب على “ضرورة تكاتف الجهود والمؤسسات كافة لتجاوز الأزمة القاسية لشح المياه”، محذراً من تداعياتها المباشرة على حياة المواطنين والقطاعات الزراعية والخدمية. كما أكد أهمية الحفاظ على بيئة النهر ومنع رمي المخلفات الصحية والصناعية فيه، حمايةً للمجرى البيئي وضماناً لاستدامة الموارد المائية.
الدائرة الحمراء مستمرة
في السياق ذاته، أكد عضو لجنة الزراعة والمياه النيابية السابق، ثائر الجبوري، أن العراق لا يزال ضمن “الدائرة الحمراء” في ملف المياه، رغم توقيع مذكرة تفاهم مع تركيا بشأن زيادة الإطلاقات المائية في نهري دجلة والفرات.
وقال الجبوري، إن مذكرة التفاهم الموقعة بين بغداد وأنقرة قبل أشهر “لم تخرج حتى الآن عن إطار التصريحات”، مبيناً أنه لم يُسجل أي ارتفاع فعلي في واردات النهرين منذ توقيعها.
وأضاف أن “المذكرة كانت أشبه بعنوان انتخابي لبعض القوى، لكن ما إن انتهت الانتخابات حتى عادت الأمور إلى واقعها السابق، دون أي زيادة ملموسة في الإطلاقات المائية”، مؤكداً أن الوعود لم تُترجم إلى إجراءات حقيقية على أرض الواقع.
وأشار الجبوري إلى أن الأرقام المعلنة عن الخزين الحقيقي للسدود الاستراتيجية تُعد منخفضة ومقلقة، وأن الحلول لا تزال غائبة رغم إدراك الجهات المعنية لخطورة الموقف، محذراً من أن صيف عام 2026 قد يكون من أقسى المواسم التي تمر على البلاد إذا لم تسهم أمطار الربيع في تعزيز الخزين المائي.
تحذيرات بيئية وأمنية
من جانبه، أكد الخبير البيئي علي الفهد أن الوضع المائي في العراق يزداد سوءاً بفعل الجفاف الممتد في منطقة الشرق الأوسط والتغيرات المناخية المتسارعة.
وقال الفهد إن الخزين المائي في السدود الاستراتيجية وصل إلى مستويات حرجة، ما ينذر بأزمة حقيقية إذا لم تُتخذ خطوات عاجلة على المستويين الوطني والإقليمي.
وأوضح أن أزمة المياه لم تعد مسألة بيئية أو اقتصادية فقط، بل أصبحت مرتبطة بشكل مباشر بالأمن الوطني، نظراً لاعتماد العراق شبه الكامل على نهري دجلة والفرات، محذراً من أن أي انخفاض إضافي في الإطلاقات المائية سيضاعف المخاطر ويزيد من التوترات المجتمعية والصراعات على الموارد.
أرقام مقلقة وخزين متراجع
وبحسب بيانات وزارة الموارد المائية، فإن مستويات الخزين في السدود الرئيسية، مثل سد سامراء وسد الحبانية وسد الكوت، سجلت انخفاضاً ملحوظاً مقارنة بالسنوات الماضية، فيما تجاوزت بعض الأهوار والمناطق الزراعية في جنوب البلاد مرحلة الخطر، ما يهدد الموسم الزراعي ويضع المزارعين أمام تحديات غير مسبوقة.
كما تشير دراسات إقليمية إلى أن العقود الأخيرة شهدت انخفاضاً في معدلات هطول الأمطار بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المئة ضمن حوضي دجلة والفرات، ما أسهم في تراجع المناسيب المائية بشكل مستمر، بالتوازي مع زيادة الطلب الداخلي نتيجة النمو السكاني والتوسع العمراني والزراعي.
مشاريع لترشيد الاستهلاك
وفي إطار محاولات المعالجة، كانت وزارة الإعمار والإسكان قد أطلقت في أغسطس/آب الماضي مشروع “حصة الفرد من المياه” في مرحلة أولى شملت محافظات بغداد وأربيل وذي قار وكركوك، واكتملت هذه المرحلة مطلع ديسمبر/كانون الأول الماضي، وأسفرت عن نتائج وُصفت بالجيدة.
وكشف المدير العام للمياه في العراق أن تكلفة إنتاج لتر واحد من مياه الشرب تُقدّر بنحو 100 دينار عراقي، مبيناً أن المشروع يهدف إلى الوصول إلى بيانات دقيقة حول معدلات الاستهلاك اليومي، تمهيداً لرفع توصيات إلى رئاسة الوزراء بشأن سن تشريعات تحد من هدر المياه في الاستخدامات المنزلية والصناعية والتجارية.
أزمة مفتوحة على كل الاحتمالات
وفي ظل هذه المعطيات، تؤكد مصادر حكومية أن العراق يعمل على إعداد خطط طارئة لتعزيز خزين السدود قبل دخول فصل الصيف، بالتوازي مع وضع استراتيجيات طويلة الأمد لإعادة تأهيل البنية التحتية المائية وتحسين إدارة الموارد.
لكن التحذيرات تتصاعد من أن أي تأخير في تنفيذ هذه الخطط أو استمرار ضعف التعاون الإقليمي قد يدفع البلاد إلى واحدة من أخطر الأزمات المائية في تاريخها الحديث، ما يضع ملف المياه في صدارة التحديات التي تهدد الأمن الغذائي والاستقرار المجتمعي في العراق.
