منصة إقليمية للتجارة والاستثمار.. معرض بغداد الدولي في محطته الوسطى: "قطار التنمية" يربط الأسواق العالمية بقلب العراق الاقتصادي
انفوبلس/ تقرير
وصل قطار معرض بغداد الدولي إلى منتصف محطاته، وسط تفاعل واسع من المشاركات العراقية والدولية، عكس بوضوح أهمية هذا الحدث الاقتصادي وما يحمله من فرص حقيقية للتعاون والشراكة، في وقت يبحث فيه الاقتصاد العراقي عن نوافذ انفتاح أوسع على الأسواق الإقليمية والدولية، وتحفيز دور القطاع الخاص بوصفه شريكاً أساسياً في التنمية.
وعلى مدى الأيام الماضية، شهدت أروقة المعرض حراكاً لافتاً، تمثل بسلسلة لقاءات مباشرة بين الشركات والوفود الرسمية ورجال الأعمال، إلى جانب تبادل الخبرات وعقد تفاهمات أولية، في مشهد عكس رغبة مشتركة ببناء علاقات اقتصادية قائمة على المنفعة المتبادلة، وليس الاكتفاء بالعقود قصيرة الأمد.
ويواصل المعرض أداء دوره كمنصة اقتصادية فاعلة، تسهم في ربط السوق العراقية بنظيراتها الإقليمية والدولية، وفتح آفاق جديدة لشراكات تدعم الاقتصاد الوطني، وتسهم في تنويع مصادر الدخل وتحقيق التنمية المستدامة، لا سيما في ظل التحديات التي تواجه الأسواق العالمية.
ملتقى عراقي بلغاري
وفي يومه الرابع، استهلّ معرض بغداد الدولي فعالياته بتنظيم الملتقى العراقي البلغاري، الذي هدف إلى تعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين الصديقين، وفتح قنوات جديدة للتواصل بين رجال الأعمال، واستكشاف فرص الاستثمار المشترك في عدد من القطاعات الحيوية.
وقال مدير عام دائرة تطوير القطاع الخاص في وزارة التجارة، الدكتور مالك خلف الدريعي، إن المرحلة الحالية تتطلب تطوير آليات التعاون الاقتصادي بما ينسجم مع المتغيرات التي تشهدها السوق العراقية، والانفتاح المتزايد على الشراكات الدولية.
وبيّن الدريعي أن حجم التبادل التجاري بين العراق وبلغاريا بلغ نحو 300 مليون دولار، موزعة على عدة قطاعات، ما يعكس وجود أرضية مشتركة يمكن البناء عليها وتوسيعها خلال المرحلة المقبلة، عبر خطط مدروسة تستند إلى احتياجات السوق وقدرات الطرفين.
وأوضح أن الرؤية المستقبلية تركز على تفعيل عمل المجلس التجاري العراقي البلغاري من خلال برامج واضحة وخطط عملية، تهدف إلى رفع حجم التبادل التجاري بنسبة لا تقل عن 20 في المئة، مشيراً إلى أن الطموح لا يقتصر على الاستيراد والتصدير، بل يتجه نحو إقامة شراكات استثمارية حقيقية، لاسيما في مجالي الصناعة والزراعة، بما يسهم في نقل الخبرات وتعزيز الإنتاج المحلي.
أهمية العراق المتزايدة
بدوره، عدّ ممثل وزارة الخارجية العراقية عبد السلام صدام، الملتقى مؤشراً على الأهمية المتزايدة التي يحظى بها العراق على الساحة العالمية، مؤكداً أن بغداد باتت تمثل حلقة وصل مهمة في محيطها الإقليمي والدولي.
وأضاف أن الملتقى يمثل فرصة واعدة أمام الدول والشركات المشاركة لتعزيز أطر التعاون وبناء شراكات اقتصادية وتنموية تخدم المصالح المشتركة، وتسهم في دعم جهود التنمية والاستقرار، مشدداً على حرص وزارة الخارجية على دعم مثل هذه الفعاليات التي تفتح آفاقاً جديدة للتواصل والانفتاح الاقتصادي.
جهود مشتركة
من جهته، ثمّن القائم بأعمال سفارة جمهورية بلغاريا في بغداد، فالنتين نيكولوف، الجهود التي بذلتها الحكومة العراقية ومجتمع الأعمال في تنظيم الملتقى، معتبراً أن انعقاد مثل هذه اللقاءات يمثل فرصة حقيقية لتطوير التعاون الاقتصادي وتبادل الخبرات.
وأوضح نيكولوف أن الشركات البلغارية تمتلك خبرات واسعة في قطاعات الصناعة والطاقة والزراعة، إلى جانب مجالات استثمارية أخرى، مبيناً أن بلاده تولي اهتماماً كبيراً بالعمل في العراق ضمن أطر واضحة وشفافة، بما يسهم في بناء شراكات مستدامة تخدم الطرفين.
في السياق ذاته، أكد رئيس اتحاد الغرف التجارية العراقية عبد الرزاق الزهيري، أن واقع القطاع الخاص العراقي بات أكثر تميزاً في المرحلة الحالية، مدعوماً بجملة من القرارات الإيجابية التي أسهمت في تعزيز دوره وتحفيز نشاطه داخل السوق.
وبيّن الزهيري أن هذه الخطوات انعكست بشكل واضح على تطوير عمل مجلس الأعمال العراقي البلغاري، الذي أصبح يمثل نموذجاً إيجابياً للتعاون الاقتصادي المشترك، مشيراً إلى أن الهدف يتمثل في الوصول إلى خريطة اقتصادية عراقية واضحة تركز على القطاعات الاستراتيجية، وتسهم في تحقيق نمو مستدام.
من جانبه، أوضح رئيس مجلس الأعمال العراقي البلغاري صلاح الدين صالح، أن المجلس يمثل انطلاقة حقيقية لتعزيز التعاون الاقتصادي وتشجيع الاستشارات المتبادلة بين رجال الأعمال في البلدين. وشدد صالح على أهمية تبادل الخبرات التقنية والمعرفية، لافتاً إلى أن هذا المسار من شأنه جذب الاستثمارات الواعدة، وتعزيز التنمية الاقتصادية، ودعم القطاعات الإنتاجية بما يحقق المنفعة المشتركة.
قطاع التأمين
وشهد المعرض حضوراً لافتاً لقطاع التأمين، حيث أوضح ممثل شركة الاتحاد العراقي للتأمين وقطاع التأمين الدكتور كرار عبد الله جابر، أن المشاركة تهدف إلى نشر الثقافة التأمينية وبيان أهمية هذا القطاع الحيوي في دعم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
وأكد جابر أن شركات التأمين تسهم في حماية الأفراد والمؤسسات وتقليل المخاطر ودعم الأنشطة الاقتصادية، مشيراً إلى أن الفرق المشاركة في المعرض عملت على شرح الخدمات التأمينية المتنوعة وأثرها الإيجابي على خدمة المواطن.
الضمان الاجتماعي
وفي إطار تعزيز الحماية الاجتماعية، أوضحت ممثلة دائرة التقاعد والضمان الاجتماعي للعمال في وزارة العمل كوثر صلاح عبد، أن مشاركة الدائرة في المعرض تهدف إلى توضيح آليات الاستفادة من الضمان الاجتماعي وشروط الاشتراك.
وبيّنت أن الدائرة استحدثت خدمة "شراء الخدمة" لمن وصل إلى سن التقاعد ولا يمتلك مدة خدمة كافية، بما يسهم في شمول شريحة أوسع بالمنافع التقاعدية وتعزيز الاستقرار الوظيفي.
وعلى هامش الفعاليات، قدمت شركة "نيو يولك" تجربة جديدة في السوق العراقية باستثمار الثروة الحيوانية، حيث أوضحت ممثلة الشركة حوراء عبد الأمير أن الشركة تمتلك حقول إنتاج لبيض المائدة داخل وخارج العراق، وتفتح أبوابها أمام المستثمرين وفق صيغ قانونية حديثة.
مقومات سوق واعدة
وأعرب عدد من التجار وأصحاب الشركات العربية والأجنبية عن رغبتهم بتوسيع نشاطاتهم داخل العراق، مؤكدين أن السوق العراقية تمتلك مقومات مستقبل اقتصادي واعد.
وقال رجل الأعمال العماني ناصر بن عبد الله الصوافي إن مشاركة بلاده في معرض بغداد الدولي مستمرة منذ خمس سنوات، مؤكداً أن السوق العراقية ترحب بالبضائع العمانية، وأن فرص الشراكة بين البلدين مرشحة للنمو.
بدوره، أشار التاجر المصري هاني محمود إلى رغبة الشركات المصرية في توسيع نشاطها داخل العراق، واصفاً السوق العراقية بأنها من أقوى الأسواق العربية من حيث القدرة الشرائية. كما أكد رجل الأعمال الإماراتي زيدان سعود العبد الله، أن الإقبال على المنتجات الإماراتية في بغداد يشجع على فتح متاجر كبيرة داخل العراق، بما يعزز التبادل التجاري بين البلدين.
من جهته، قال صاحب الشركة الوطنية الأردنية للدهانات مراد كمال، إن شركته أنجزت عدة تعاقدات مع الجانب العراقي، داعياً إلى تسهيلات متبادلة تسهم في تعزيز النشاط التجاري بين العراق والأردن.
ويؤكد المشاركون أن معرض بغداد الدولي لم يعد مجرد فعالية تجارية سنوية، بل منصة استراتيجية لإعادة رسم خارطة العلاقات الاقتصادية للعراق، وتعزيز حضوره الإقليمي والدولي، في ظل تطلعات لبناء اقتصاد متنوع وأكثر استدامة.
معرض بغداد كـ "منصة استقرار"
وفي النهاية يمكن القول إن الزخم الذي شهده معرض بغداد الدولي في أيامه الأولى يؤكد حقيقة واحدة: أن العراق عاد ليكون مركز الثقل الاقتصادي في المنطقة. هذا الحدث لم يعد مجرد تظاهرة تجارية، بل هو إعلانا رسميا عن استعادة العراق لعافيته الاقتصادية وجاهزيته لاستقبال الاستثمارات العالمية.
وبين التكنولوجيا البلغارية، والصناعات المصرية، والابتكارات الإماراتية، والخبرات الأردنية، يجد العراق نفسه اليوم أمام فرصة تاريخية لتحويل هذه "اللقاءات المباشرة" إلى واقع اقتصادي ملموس يسهم في تحقيق التنمية المستدامة وتقليل الاعتماد على الرّيع النفطي، مما يعود بالنفع المباشر على المواطن العراقي في حياته اليومية ووظائف مستقبله.
